
يمشي الانسان سنوات طويلة وهو يظن أنه يعرف نفسه يعرف ما يريد وما يخافه وما يحلم به لكنه يكتشف في لحظة غير متوقعة أن معرفته كانت سطحية وأن داخله أعمق بكثير مما كان يظن وأن ما كان يبحث عنه في الخارج لم يكن إلا صدى لما يفتقده في داخله تأتي تلك اللحظة غالباً بعد تعب طويل بعد مواقف تراكمت حتى لم يعد يحتمل بعد خيبات ظلت معلقة في صدره دون أن
يجد لها تفسيراً أو مخرجاً وفي هدأة هذا الإرهاق الداخلي يفهم فجأة أن المشكلة ليست في الآخرين ولا في الظروف بل في أنه لم يجلس مع نفسه بما يكفي وحين يحدث ذلك يبدأ يرى حياته بشكل مختلف يدرك أنه تنازل أكثر مما يجب وصمت أكثر مما يحتمل وانتظر أكثر مما يليق بروحه وأنه عاش سنوات يحاول أن يثبت أشياء لا قيمة لها إلا عند أشخاص لم يفهموا قيمته الحقيقية وأنه
منح قلبه لمن لم يدركوا عمقه وطاقته ومع هذا الإدراك يبدأ في التحرر بصمت لا يريد شجاراً ولا تبريراً بل راحة يبحث عن مكان يشبهه وعن علاقات تمنحه دفئاً لا مجهوداً وعن حياة يختار تفاصيلها بوعيه لا بخوفه ويتعلم أن لا يلوم نفسه على ما فات بل يشكرها لأنها صمدت حتى وصلت إلى هذه اللحظة ويكتشف أن الحزن ليس عيباً وأن الانكسار ليس نهاية وأن الاعتراف بالضعف
قوة تولد منها بداية جديدة وأن أقسى اللحظات التي مرت به هي التي صنعت هذا الوعي وهذه الصلابة وهذه النظرة العميقة للحياة وأنه الآن أقرب إلى نفسه من أي وقت مضى يفهم أن معرفة النفس ليست كلمة تقال بل رحلة طويلة تبدأ حين يتوقف عن الهرب من داخله وتكبر كلما واجه مخاوفه وتتعافى كلما اختار الحقيقة على المجاملة وأن الانسان حين يفهم نفسه أخيراً يصبح قادراً على أن
يعيش حياته بالشكل الذي يستحقه لا بالشكل الذي فرض عليه وأن هذا الفهم هو البداية التي تغير كل ما بعدها



