دين ومجتمع

في حضرة الصيام

بقلم - د. كامل عبد القوي النحاس

1️⃣ لماذا نصوم؟

في أول يوم من رمضان، يظنُّ كثيرون أن الصوم معركةٌ ضارية مع الطعام والشراب؛ الساعة تحدِّد اللحظات، والمعدة تصرخ، والعقل يحصي الدقائق حتى يرتفع صوت الأذان.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، وأكثر خصوصية مما نتصوّر.

الصوم ليس مجرّد امتناعٍ مادي، إنه رحلة تبدأ في الجسد، لكنها لا تتوقف عنده.

هو رحلة القلب قبل الجوارح، وممارسة الإرادة الواعية قبل كل شيء.

قال الله تعالى:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]

هذه الآية تذكّرنا بأن غاية الصيام ليست الحرمان الجسدي، بل الارتقاء الروحي، وتنمية “التقوى”، تلك اليقظة الداخلية التي تجعلك تستحضر نظر الله إليك في كل حركةٍ وسكون.

وجاء في الحديث القدسي عن النبي ﷺ:

«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» ( متفق عليه)

فالصوم خبيئة بينك وبين خالقك، سرٌّ لا يطّلع عليه أحد.

حميمية خالصة لا يظهر أثرها إلا في حضرة جلاله سبحانه وتعالى،

ولهذا كانت تجربة الصوم فريدة، يسكن فيها ضجيج العالم، ليعلو صوت القلب وهو يناجي ربَّه.

رمضان يعلّمنا درسًا عظيمًا في سيادة النفس:

أن نمتنع عمّا نحب، من أجل ما هو أعظم.

أن نقول “لا” لشهوة عابرة، لنكون قادرين على قول “نعم” لما يغذّي الروح ويُرضي الرب.

حين تمتنع عن الماء، أو تؤجّل رغبة فورية، يحدث أمرٌ خفيّ في أعماقك:

تستيقظ إرادتك، ويرقُّ قلبك، فتكتشف أنك أقوى مما كنت تظن.

تدرك أنك لست عبدًا لشهواتك، ولا أسيرًا لعاداتك، ولا رهينًا لضجيجٍ رقميٍّ يسرق حضورك الذهني.

الجوع ليس عقوبة، بل نافذة وعي.

هو وسيلة لترى الحياة بصفاءٍ جديد، ولتستشعر قدسية الأشياء الصغيرة:

أن تدرك قيمة الماء قبل أن يلامس شفتيك.

أن تتذوّق طعم الرغيف بقلبك قبل أن تمتد يدك إليه.

أن ترى ضعفك الإنساني حين يُسلب منك أبسط مقوّمات الحياة، فتتعلم أن قوتك الحقيقية في صلتك بمصدر القوة سبحانه.

الجوع في رمضان رسالةٌ لطيفة تهمس في وجدانك:

تذكّر من أنت، ومن أين أتيت،

وتذكّر أن الله يرى ما في قلبك قبل أن يراه العالم.

إن أخطر ما في الصوم أنه يكشفك لنفسك.

الصوم علاقة سرّية، لا يعلم حقيقتها إلا الله، لذلك لا تحتاج إلى تصفيقٍ ولا إشادة، بل تحتاج أن تسمع همس روحك وهي تتحرّر من أثقال الطين:

أنت أقوى، وأعمق، وأقرب مما كنت تظن.

وجرّب هذا العام أن توسّع دائرة الصوم لتشمل حياتك كلّها:

صُم عن الغضب ساعة.

وصُم عن الجدال يومًا.

وصُم عن الكلمة الجارحة.

وصُم عن عادةٍ تثقل كاهل قلبك.

وصُم عن تشتّت الانتباه الذي تفرضه الشاشات، لتجد متّسعًا لذكر الله.

ستكتشف أن كل صبرٍ في لحظة غضب خيط نورٍ ينسج رداء الطمأنينة في أعماقك،

وأن كل اختيارٍ طيّب إعادةُ ترتيبٍ لداخلك المبعثر.

فلا تجعل صيامك صراعًا مع معدتك، بل اجعله رحلةً مع قلبك:

بالصمت: صمتٌ يهدأ فيه ضجيج الخارج، لتسمع صوت الحق في الداخل.

بالتفكّر: دقائق تخلو فيها بنفسك؛ ماذا أريد حقًّا؟ وما الذي يحول بيني وبين ربّي؟

بالذكر: لسانٌ يلهج بالاسم حضورًا لا عادة.

بالتلاوة: لا سعيًا وراء عدد الصفحات، بل فتحًا لصفحات القلب المهجورة.

رمضان ليس موسم حرمان، بل موسم ولادةٍ جديدة.

كل لحظة تتجاوز فيها شهوة هي إعادة اكتشاف لنفسك، واقتراب أصدق من الخالق.

وفي نهاية اليوم، حين يجلس الصائم للإفطار، قد يظن أن إنجازه في الطعام…

لكنه إن فتّش في قلبه، سيجد أن الصوم كان تدريبًا على الحب، والرحمة، والسكينة.

هنا يكمن السرّ الأعظم:

الصوم ليس ما تتركه خلفك، بل هو الإنسان الجديد الذي تولد به من جديد.

تأمّل اليوم:

ما أول عادةٍ ستكسرها اليوم لتفتح في قلبك بابًا للنور؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock