مقالات وآراء

في حضرة الصيام « 18» ​يوم الفرقان.. ميثاقُ الغنائمِ وأسرارُ النصرِ بالوحدة

بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

في السابع عشر من رمضان، للعام الثاني من الهجرة، لم يكن الموعد مجرد معركة حربية عابرة بين جيشين.

بل كان ميلاداً لروح أمة وصياغةً جديدة لتاريخ البشرية.

​في يوم بدر الكبرى، كتب الله الفرقان؛ ليفصل بضربة قاضية بين عهد الضعف والتبعية، وعهد القوة والسيادة.

وأيّد الله الفئة المؤمنة بجنودٍ من لدنه لم يروها، فكان النصرُ آيةً باهرة، وكانت الغنائمُ اختباراً دقيقاً للنفوس.

• ​حصادُ اليقين:

إنَّ النصر في بدر لم يكن غنيمة مادية تُحمل في الأوعية فحسب، بل كان مرآةً كاشفة للنفوس.

فبعد انقشاع غبار المعركة، حاز المسلمون غنائم كثيرة ومتنوعة.

• ​الاختبار النهائي:

كانت هذه الغنائم بمثابة امتحان نهائي لقلوبٍ صهرها الجوع والعطش في الصيام.

والسؤال الكبير كان:

هل ينتصر المؤمن على شهوة التملك الكامنة في أعماقه، كما انتصر على سيف العدو المصلت على عنقه؟

• ​سرُّ الاختبار:

الغنائم في حقيقتها ليست مجرد حطام فاني، بل هي فتنةُ الختام.

فالحصول على المال والجاه بعد النصر قد يُنسي العبد فضل المنعم الحقيقي.

لذا أراد الله سبحانه أن يطهر فرحة النصر من لوثة الطمع وضيق الأفق.

​استهلال:

خلافُ الأخيار.. صراعُ المعنى لا المادة:

​بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وقع خلافٌ بشري طبيعي بين الصحابة -رضوان الله عليهم- حول قسمة الغنائم. وهو خلافٌ بليغ في دلالاته، يعلمنا كيف تدار الأزمات النفسية والمادية في رحاب النبوة والوحي.

• ​البحث عن صك البسالة: لم يركض الصحابة خلف المال لذاته، فهم أزهد الناس في الدنيا. بل كان حوز الغنيمة في عُرف المقاتلين قديماً يعني شهادةً علنية بحسن البلاء.

• ​رمزية الغنيمة:

مَن أخذ أكثر، شعر في باطنه أنه نال اعترافاً ضمنياً بشجاعته الفائقة وسبقه في الميدان.

فكان النزاع في جوهره على المكانة قبل أن يكون على المتاع.

• ​تيارات النفس البشرية: انقسمت الرؤى بين شبابٍ اندفعوا للمواجهة المباشرة وطاردوا الفلول، وشيوخٍ ثبتوا كالجبال الراسخة يحرسون العريش والقيادة النبوية، وجامعين للمتاع يحفظون هيبة الميدان ويؤمنون المكاسب.

• ​الحكمةُ النبوية الحاسمة: حين ارتفعت الأصوات طلباً للحق والتقدير، جاء الوحي الإلهي ليضع السيادة المعرفية فوق حظوظ النفس البشرية. ورد الجميع برفقٍ وحزم إلى أصل البيعة الأولى.

• ​تذكير بالعهد:

تلك البيعة التي عاهدوا فيها الله ورسوله على البذل لا الأخذ. وعلى الفناء في نصرة الحق لا البقاء مع فتنة المتاع الزائل.

​الموضوع:

فلسفةُ الأنفال.. حين يحكمُ الوحيُ حركةَ المال

​حين قال الله سبحانه في محكم التنزيل:

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (الأنفال 1)

لم يكن يشرّعُ قانوناً مالياً جافاً فحسب، بل كان يعيد صياغة علاقة الإنسان بالأشياء من حوله.

• ​إعجازُ البداية وسر التقديم:

من أسرار النظم القرآني الباهرة، أن سورة الأنفال بدأت بالحديث عما انتهت به المعركة زمنياً، وهي الغنائم. ولماذا فعل القرآن ذلك؟

• ​الحكمة التربوية:

لكي يحسم الخلاف ويطهر القلوب قبل أن يبرد جرح الشهيد في الميدان. فالعلاج النفسي لمرض الفرقة والنزاع أهمُّ عند الله من وصف تفاصيل البطولة العسكرية.

• ​السيادةُ المطلقة لله: حين نُسبت الغنائم بالكامل لله وللرسول، ذابت الأنا الفردية وتلاشت المطامع الشخصية.

فالمالُ في الحقيقة هو مالُ الله، والجميعُ عبيدُ إحسانه وفضله. وبذلك انطفأت نارُ المنازعة ببردِ التسليم المطلق للوحي.

• ​رحمةُ القسمة الإلهية:

بعد أن رضي الجميع بحكم الله وتجردوا من أهوائهم، تفضل الكريمُ بوهب هذه الغنائم لهم كمنحة لا كحق مكتسب.

وشرع قانون القسمة العادل الذي يحفظ توازن المجتمع المؤمن.

• ​تفصيل الأنصبة:

فى قوله تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ {الأنفال: 41}

جعل الله الخُمس لله والرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين. وهو خُمسٌ سيادي لا يذهب لجيوب الحكام، بل يُردُّ على فقراء المسلمين ومصالحهم العامة.

• ​زهد النبوة:

فما أمسك النبي ﷺ من هذا الخمس درهماً واحداً لنفسه، بل كان ينفقه في تأليف القلوب وسد خلات المحتاجين. وجعل الأربعة أخماس الباقية حقاً للمجاهدين الذين شهدوا الواقعة وبذلوا أرواحهم.

• ​دستورُ القوةِ المعاصر:

إنَّ المتأمل في حال الأمة اليوم يدرك أنَّ سرَّ الضعف يكمن في تفتتُ القلوب، وتشتتُ المصالح خلف الغنائم الزائلة.

بينما سرُّ القوة والتمكين يكمن في إصلاح ذات البين

.

• ​معادلة النصر:

فالقلة المتآلفة التي يشد بعضها بعضاً بالحب والتجرد هي التي تملكُ مفاتيح التاريخ وتصنع المعجزات.

أما الكثرة المتفرقة التي تتصارع على المتاع فهي غثاءٌ كغثاء السيل لا وزن له في ميزان الأمم.

• ​العبقريةُ المصرية.. نصرُ اللحمة والتجرد:

وهنا نلمس بوضوح سرَّ مصر الخالد عبر العصور.

فأعظم ما تملكه هذه الأرض الطيبة هو صهرُ الخلافات في بوتقة الوطن الكبير.

• ​روح مصر الإيمانية: المصريون، بطبيعتهم المؤمنة الصابرة، يتجردون من ذواتهم ومصالحهم الضيقة عند نداء الواجب. ويجتمعون على حب الأرض والدفاع عن العرض بقلب رجل واحد.

• ​الدرع الحصين: لقد صار تجرد شعب مصر في سبيل الله وفي سبيل الحفاظ على تراب الوطن هو الدرع الحقيقي الذي يحفظ الدم والمال. وهو تجسيد حي لـ روح بدر المتجددة في نسيجنا الوطني، حيث القوة في الجماعة، والنصر في التآلف.

​الخاتمة:

• ميثاقُ الصفِّ وصدقُ الوفاء

​إنَّ العبرة الكبرى من يوم الفرقان هي أنَّ النصر الإلهي والتمكين الأرضي لا ينزلان أبداً على صفوفٍ ممزقة أو قلوبٍ متدابرة.

• ​فالحصانة الحقيقية للأمم والدول ليست في مجرد ترسانة السلاح المادي. بل هي في حصانة الصف ونظافة الصدور من غل الخصومة والشح.

• ​الوفاء بالبيعة -إيماناً ووطناً- يعني في جوهره أن نقدم العطاء على الطلب.

• وأن ندرك بوعي كامل أنَّ الغنائم الحقيقية الكبرى هي بقاءُ الوطن عزيزاً مهاباً، وبقاء الصفِّ مرصوصاً كالبنيان، والكلمةِ واحدة لا تقبل الانقسام.

​التأمل:

جدليةُ الأنا والنحن في ظلال بدر:

• ​عند التدبر العميق في مشهد تقسيم الأنفال، نلمسُ فلسفةً إلهية في بناء الكيانات العظيمة والدول القوية:

• ​انكسارُ حظِّ النفس:

أراد الله سبحانه أن يعلمنا درساً خالداً؛ أنَّ الذات إذا تضخمت وغلب حظها على المصلحة العامة، ضاع النصر وذهب التمكين.

فما قيمة المتاع والمال إذا تصدع البناء من الداخل؟

• ​الانتصار الأكبر: إنَّ التنازل الطوعي عن الحق الشخصي لأجل وحدة الكلمة وصفاء القلوب هو الانتصار الأكبر والفتح المبين الذي يسبق دائماً نصر السيف في الميدان.

• ​معجزةُ التجرد:

إنَّ تقديم ذكر الأنفال في مطلع السورة هو دعوةٌ ربانية للتجرد المطلق. فالعظمة الحقيقية ليست في أن تحارب لكي تكسب وتربح، بل في أن تحارب لتكون كلمة الله هي العليا، ثم تترك النتائج والمكاسب لصاحب الفضل والمنة، يضعها حيث يشاء وكيفما يشاء.

​السؤال:

هل نسأل أنفسنا بصدق في خلواتنا: كم من غنيمة صغيرة زائلة -سواء كانت منصباً، أو مالاً، أو جاهاً- تنازعنا عليها، فكانت هي السبب المباشر في تشرذم صفنا وضعف قوتنا أمام التحديات الكبرى التي تواجهنا؟

• ​التوصية العمليّة:

أوصيكم ونفسي، ونحن نعيشُ في رحاب هذه الليالي الرمضانية المباركة، أن نجعل سلامة الصدر قرينةً دائمة للجهاد والعمل.

• ​دعوة للتآلف:

فلنتجرد من أهوائنا الشخصية، ولنحرص كل الحرص على اللحمة مع أبناء وطننا وأمتنا، تماماً كما فعل الصحابة حين ردوا أمرهم بالكامل لله ولرسوله.

• ​الخلاصة:

إنَّ القوة الحقيقية المستدامة هي تلك التي تولد من ائتلاف القلوب وصفاء النفوس. والنصر الباقي الذي لا يزول هو الذي يحفظ كرامة الأوطان ويُعلي شأن الإنسان فوق كل اعتبار مادي رخيص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock