دين ومجتمع

في حضرة الصيام «19» .. سلامةُ الصدور.. الغبطةُ لا الحسد

بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

الافتتاحية:
ميزانُ الرضا وعطايا الوهاب

ليس الحسدُ في منظور فقه الصيام مجرد كدورةٍ نفسية عابرة أو انفعالٍ طارئ يزول بزوال مسبباته،
بل هو في حقيقته زلزالٌ عقدي يضرب يقين القلب؛ إذ يبدأ بمراقبة النعم في أيدي الخلق، وينتهي بالاعتراض الصريح والمبطن على حكمة الرزاق في قسمة الأرزاق وتقدير الأقدار.

إنَّ الصائم الذي يمتنع عن الطعام والشراب والمباحات طاعةً لله، أولى به أن يمتنع أولاً عن أكل نعم الآخرين بنظرات الحقد وتمني الزوال؛
فالحسد في جوهره ليس إلا انقلاباً صامتاً على مشيئة الوهاب، وظناً واهماً بأنَّ خزائن الله – التي وسعت كل شيء –
قد تضيق بفضلٍ يُمنحه الله لعبدٍ من عباده.

الاستهلال:
جنايةُ الأنا.. من كِبْر إبليس إلى دماء هابيل:
لقد رسم الوحيُ معالم هذه الآفة منذ فجر الوجود كأول تمردٍ على الإرادة الإلهية؛ فالمأساة بدأت في الملأ الأعلى حين غلف إبليس حقدَه برداء المنطق الواهن والقياس الفاسد قائلاً:

{أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}
(الأعراف: 12).

فكان الحسدُ هو الحجاب الكثيف الذي طرده من سعة الرحمة إلى ضيق اللعنة.

ثم انتقل الداء إلى الثرى في أول صراعٍ دامي بين بني آدم:
{إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ}.
هنا جاء الدرس الرباني قاطعاً بأنَّ الفضل يُنال بالتقوى لا بالعدوان:

{قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}
(المائدة: 27).

لكنَّ الحاسد عجز عن إصلاح باطنه وقرر إتلاف ذات أخيه بالقتل صراحةً:

{لَأَقْتُلَنَّكَ}.

ليثبت التاريخ أنَّ الحسد لا يسكن قلباً إلا وأفسد فيه موازين البناء، وحوَّلها إلى معاول للهدم والدمار.

الموضوع:
فلسفةُ الحسد.. من أزلية الأنا إلى صراع الرسالات
إنَّ المتأمل في متن هذه القضية يدرك أنَّ الحسد ليس مشكلةً مع المحسود في ذاته، بل هو أزمةٌ عميقة مع المعطي سبحانه، وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح عبر محطات الرسالات الكبرى.

أولاً: حسد الرسالة وجحود أهل الكتاب
في صراع النبوة الخاتمة، كان الحسدُ هو العائق الأكبر الذي حال بين القلوب والهدى؛ فأهل الكتاب لم يجحدوا نبوة محمد ﷺ جهلاً بصدقه، بل جحدوا لأن الرسالة جاءت من العرب لا من بني إسرائيل.
يقول الحق سبحانه كاشفاً مكنون صدورهم:

{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (النساء: 54).

لقد ذكرهم الله بفضل آل داوود وغيرهم ليبين أنَّ الفضل بيده يؤتيه من يشاء وفق حكمته، لكنَّ عمى الألوان المذهبي جعلهم يرفضون الحق لأنه لم يخرج من ميزابهم الخاص، فخسروا الهدى بضيق الصدور.

ثانياً: “أهم يقسمون رحمة ربك؟”.. كِبر الأثرياء المنتفخين
لم يتوقف الأمر عند أهل الكتاب، بل سار فيه عرب مكة الذين قيدتهم الطبقية، فاستكثروا الوحي على يتيمٍ فقير، وتساءلوا بلسان الغطرسة:

{لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}
(الزخرف: 31).

لقد أرادوا وضع مقاييس المال والجاه شروطاً لاختيار السماء، فجاء الردُّ الإلهي الحاسم:

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟}
(الزخرف: 32).

لقد طرد أهل مكة النبوة بـ حسدهم، فاستقبلها الأنصار في المدينة بـ حبهم وتجردهم، لتتحول النبوة من مجدٍ مفقود في مكة إلى دولةٍ وسيادة في المدينة بفضل الأنصار الذين وصفهم الله بقوله:
{وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}
(الحشر: 9)

والحاجة هنا هي الحسد كما نص أئمة التفسير كـ الطبري وابن كثير.

ثالثاً: سيكولوجية الحاسد.. من غبار التاريخ إلى الآفة الرقمية
الحاسد يعيش حالة من الاحتراق الداخلي المستمر؛ وقد وصف هذا الداء التابعى الجليل الحسن البصري بقوله:

ما رأيتُ ظالماً أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد؛ نفسٌ دائم، وحزنٌ لازم.
( صيد الخاطر لابن الجوزى).

فالحاسد يراقب حركة النعم في أيدي الناس فيحزن، ويغفل عن حركة الفضل في يده فيكفر بها.

وقد لخَّص الإمام ابن القيم حقيقة هذا الداء بقوله:
الحسد اعتراضٌ على قضاء الله في عباده.
(بدائع الفوائد)

وفي واقعنا المعاصر تحول الحسد إلى ظاهرة رقمية عبر نوافذ التواصل الاجتماعي التي تفتح أبواب المقارنة الزائفة؛ فيقارن المرء باطنه المليء بالكدر بظاهر الآخرين المليء بالتجميل، فيتولد حقدٌ يفتت الأمن النفسي المجتمعي ويدمر اللحمة الوطنية.

بين الداء والدواء:
الحسد والغبطة وسعة الخزائن:
الفرق بين الحسد والغبطة هو الفرق بين الهدم والبناء؛ فبينما يشتعل الحاسد ناراً ليطفئ نور غيره، يستضيء صاحب الغبطة بنور الناجحين ليرتقي، ممتثلاً للأمر الإلهي:

{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}
(النساء: 32).

واليقين الحق يرتسم حين نستحضر الحديث القدسي العظيم:
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
( مسلم )
فإذا كانت خزائن الرزاق لا تنفد، فإنَّ الرضا بالقسمة هو الجنة العاجلة التي تفتح أبواب العمل الجاد.

الخاتمة:
ميثاق الرضا وطهارة الصف الوطني
• إنَّ العبرة الكبرى هي أنَّ القوة المستدامة للأمم لا تُبنى على صفوفٍ ينهشها الغل؛ فطهارة الصدور هي استراتيجية البقاء التي تجعل المجتمع جسداً واحداً.
• إن الوفاء لمنهج الصيام يعني تقديم التكامل على التآكل، والاستعاذة الصادقة

{وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}
(الفلق: 5).

• تعني أولاً تطهير أنفسنا من لوثة الحقد ليبقى الصف مرصوصاً، والكلمة واحدة، والقلوب مجتمعة على حب الخير للكل.

التأمل:
انكسار الأنا في رحاب الوهاب:
• تأمل كيف بدأت سورة الأنفال بمعالجة حسد المكاسب حين اختلفوا في الغنائم، وكيف ختمت المعوذات بسورة الفلق لمعالجة غل النفوس بالحسد.
• إن سلامة القلب هي الفتح المبين الذي يسبق نصر السيف ومجد الدول.
•فالعظمة الحقيقية ليست في حيازة كل شيء، بل في القدرة على الفرح بفيض الله على خلقه دون اعتراض.

السؤال:
كم من طاقةٍ وطنية وإبداعية أهدرناها في مراقبة عثرات الناجحين، ولو صُرفت في بناء الذات لغيَّرت وجه مستقبلنا؟

التوصية:
• اجعلوا سلامة الصدر عبادةً رمضانية كبرى وحصناً للأمن القومي؛
•تمنوا الخير للناس يأتكم الخير،
• فما عند الله لا يُنال بالحقد، بل بالرضا والتجرد والعمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock