فن وثقافة

قبل الأوان “

طارق غريب - يكتب

” قبل الأوان ”

الإضاءة خافتة

ضوء أزرق بارد ينبعث من مصباح معلق

فوق كرسي خشبي قديم في وسط الخشبة

لا ديكور سوى مرآة كبيرة مائلة في الخلفية

تعكس وجه سهى مشوهاً بعض الشيء

كأن الزمن نفسه يعكسها بقسوة

سهى جالسة على الكرسي ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً

شعرها منسدل كشلال أسود يغطي كتفيها الضاويتين

عيناها مثبتتان في نقطة بعيدة جداً

كأنها ترى ذلك الفقدان العاطفي هناك على بعد سنوات ضوئية

صمت مطبق يطول حتى يصبح ثقيلاً

ثم تبدأ تحكي صوتها هادئ في البدء

ثم يتصاعد تدريجياً كموج يصطدم بصخور داخلية

وأحياناً ينكسر في همس يشبه الاعتذار لنفسها

سهى تنظر إلى الجمهور مباشرة

كأنها تخاطب انعكاسها في المرآة

أنا سهى ..

حين تكبرين قبل الأوان

يا إلهي ، ليس الأمر مجرد سنين تتسارع

ولا ظلال تطول على وجه المرء

الروح تكبر وحدها تترك الجسد خلفها

كطفلة تائهة في محطة قطار مهجورة

تنتظر قطاراً لن يأتي أبداً

ومع ذلك تظل واقفة هناك تحمل حقيبتها الصغيرة

المثقلة بذكريات لم تُعش بعد

تتنهد طويلاً ، تمد يدها كأنها تمسك شيئاً غير مرئي

ثم تبتسم ابتسامة بعيدة حزينة

كنت لا أزال ألعب بالدمى

ألبسها فساتين من قماش الستارة العتيقة

أركض في الشارع الضيق

أجمع أوراق الشجر وأصنع تيجاناً

أنادي : يا ملكة الغابة ، تعالي نرقص

كنت أطير حقاً في عالمي الصغير الذي لا يعرف الخوف

( تغلق عينيها لحظة طويلة ثم تفتحهما ببطء

وصوتها يصبح أكثر رقة وحنيناً

كأنها تعود إلى تلك السنوات )

ثم جاءت المراهقة

تلك السنوات التي كان يجب أن تكون مليئة

بالأحلام الوردية والخجل الخفيف

والقلق الجميل الذي يجعل القلب

يرتجف من الفرح لا من الخوف

كنت أقف أمام المرآة ، مرآة أمي القديمة

التي كانت تحمل بقعاً من الزمن

أنظر إلى وجهي المتغير

أحاول أن أفهم هذه الفتاة التي بدأت تظهر ملامح امرأة

كنت أمسح الزجاج بأطراف أصابعي

كأنني أحاول أن أمحو الخوف

الذي بدأ يتسلل إليّ دون أن أعرف اسمه بعد

كنت أرسم قلوباً صغيرة على زجاج النافذة

بالقلم الرصاص وأكتب اسمه

اسمه هو ، ثم أمسحه سريعاً

خوفاً من أن يراه أحد

(تصمت لحظة ، ثم تبتسم ابتسامة رقيقة مكسورة)

كان الحب الأول ، يا إلهي

كان كالنسيم الذي يدخل من شق النافذة

في صباح صيفي خفيف ، دافئ

يحمل رائحة الياسمين والأمل

رأيته أول مرة في فناء المدرسة

يقف تحت شجرة الجميز يضحك مع أصدقائه

وكأن الضحكة دي كانت موجهة لي وحدي

قلبي وقف لحظة ، ثم بدأ يدق بسرعة غريبة

كأنه يريد أن يخرج من صدري ويجري نحوه

من يومها صرت أبحث عنه في كل مكان

في الطريق إلى الفصل ، في الاستراحة

في الشارع الذي يمر منه للبيت

كنت أتظاهر بالصدفة أمشي ببطء

أنظر إلى الأرض

وأنا في الحقيقة أنتظر أن يرفع عينيه ويلتقي بنظري

وحدث ، مرة واحدة فقط

نظر إليّ نظرة طويلة

نظرة ما قالت شيئاً بالكلام ، لكنها قالت كل شيء

شعرت أن العالم توقف ، وأن الشمس نزلت أقرب

وأن الهواء صار أحلى

كنت أحلم به كل ليلة

أحلم إنه يمسك يدي ونمشي تحت المطر

وإنه يقول لي كلمة واحد: سهى

ينطق اسمي بطريقة

تجعلني أشعر إني موجودة حقاً

كنت أستيقظ وأنا أبتسم

ثم أبكي لأن الحلم انتهى والواقع ما زال بعيداً

(تضع يدها على صدرها ، كأنها تحمي ذلك القلب القديم)

كتبت عنه في مذكراتي صفحات وصفحات

وصفت نظرته ضحكته ، طريقة مشيته

حتى طريقة رفع يده ليعدل شعره

كل تفصيلة صغيرة كانت كنزاً

كنت أكتب : اليوم مر من جانبي ولم ينظر

لكن قلبه كان ينظر ، أنا متأكدة

كنت أكتب وأنا أرتجف من الفرح والخوف معاً

كنت أحلم بقبلة أولى

قبلة تحت تلك الشجرة نفسها ، قبلة رقيقة

لا تعرف الدنيا ولا جروحها

قبلة تجعل الزمن يتوقف

وتجعلني أشعر إني ملكة للحظة واحدة

كنت أحلم برسالة صغيرة يرميها لي في الفناء

أو حتى بكلمة يقولها وهو يمر : صباح الخير يا سهى

كلمة واحدة كانت تكفي لتجعل يومي كله نوراً

(تضحك ضحكة خافتة حزينة

ثم تتوقف فجأة كأن الذكرى عضتها

وصوتها يصبح أثقلاً)

وكان يأتي اليوم الذي بدأ فيه الفقدان العاطفي

يتسلل كالسم البطئ

لم يكن انفصالاً صاخباً ، ولا خيانة مدوية

كان أبسط وأقسى: غياب تدريجي

نظرة واحدة أصبحت أقل دفئاً

ابتسامة أصبحت أقصر

مرور في الطريق أصبح بدون نظرة

ثم صار الشارع خالياً منه

والفناء خالياً من ضحكته

والمذكرة صارت تُكتب بكلمات أقل

ثم توقفت تماماً

كنت أنتظر رسالة لم تأتِ

أبحث عن سبب لم يُقال أسأل نفسي في الليل :

هل فعلت شيئاً؟ هل كنت أكثر مما يجب؟

هل كنت أقل مما ينبغي؟ ولم يكن هناك جواب

الفقدان العاطفي فقدان يجعلك تشكك في قيمتك

في جمالك و في قدرتك على الحب

كنت أمرّ بالشجرة كل يوم

أنظر إليها وأقول في سري

هنا كان ممكن يحصل كل شيء

هنا كان ممكن نبدأ

والشجرة صارت شاهد صامت على موت حلم لم يولد

كنت أشعر بالبرد داخلي حتى في أيام الصيف الحارة

كنت أبكي في غرفتي لكي لايسمعني أحد

أمسح دموعي بسرعة

أخرج وأنا أبتسم كأن شيئاً لم يكن

هذا الفقدان ترك فراغاً في الصدر

فراغاً يصدر صوتاً خفيفاً كلما تنفست

صوتاً يقول : كان ، كان ممكن

ومع الوقت صار هذا الصوت

جزءاً من نبضي جزءاً مني

(تقف ببطء، تخطو خطوتين نحو المرآة

تنظر إلى صورتها طويلاً)

تعرفين طعم الفقدان قبل أن تذوقي حلاوة القبلة الأولى

ترين الخيانة في عيون الناس قبل أن تثقي بأحد

تشمين رائحة الورد الذابل في أحلامك

وأنت بعد لم تزرعي وردة واحدة في حديقة قلبك

تلامس المرآة بأطراف أصابعها

كأنها تحاول لمس تلك المراهقة التي فقدت حبها الأول

أحياناً أسأل نفسي

هل كان يمكن أن يظل ذلك الحب حياً أطول؟

هل كان يمكن أن أظل أكتب اسمه على الزجاج دون أن يُمحى؟

هل كان هناك طريق آخر ، طريق أرحم

لا يمرّ بهذا الليل الطويل الذي لا ينتهي؟

لكن الإجابة تأتي سريعاً ، كصفعة باردة : لا

الدنيا اختارت لكِ هذا الطريق

وأنتِ مشيتِ ، مشيتِ وأنتِ تنزفين

ولم تتوقفي لتلمّي الدم

(تعود فتجلس ، تضم ركبتيها إلى صدرها كطفلة

صوتها يصبح أكثر هشاشة)

تصيرين مدينة لنفسك بحيوات لم تعيشيها في أوانها تشتاقين أن تعودي مراهقة تحمل في صدرها قلباً يرتجف من نظرة واحدة

تشتاقين إلى تلك الغصة الجميلة في الحلق

إلى تلك الابتسامة الخجولة التي كانت تظهر دون سبب واضح

إلى ذلك الحلم الذي كان يجعلك تشعرين أن الحياة تستحق

لكن الدموع جفت منذ زمن

المراهقة التي أحبت لأول مرة ثم فقدت ماتت

ولم يلاحظ أحد ، حتى أنتِ لم تلاحظي موتها

إلا بعد أن صارت الذكرى وجعاً دائماً

ينبض تحت االجلد

(تنظر إلى يديها ، كأنها ترى دماً عليها ، ثم ترفع صوتها قليلاً)

تعيشين كمن يتنفس تحت الماء

كل نفس تعب ، كل شهيق ألم

ومع ذلك تستمرين ، إذ التوقف يعني الغرق

يرى الناس فيك قوة

يعجبون بالابتسامة الثابتة بالعينين اللتين تخفيان عواصف

لكنهم لا يدرون أن هذه القوة ليست درعاً

بل جروح متراكمة ، متراصة حتى بدت كدرع درع ثقيل

ثقيل جداً

يخنق الفتاة التي كانت تحلم بحب أول تحت شجرة الجميز

ويخنق الطفلة التي كانت ترقص في الشارع الضيق

(تقف ثانية ، تقترب من حافة الخشبة ، تمد يديها نحو الجمهور كأنها تطلب عوناً أو رحمة)

في مسرح الحياة هذا

أنا البطلة التي كبرت قبل أوانها

أموت قليلاً كل يوم ، وأعيش في آن

هذا أصعب أنواع الوجود وأصدقه

جمال يلتقي بألم ، رقة بصلابة ، حلم بواقع قاسٍ لا يرحم

تعود إلى الكرسي ، تجلس ببطء ، صوتها يهدأ إلى همس عميق

فما الذي يخفف عني؟ قليل

لحظة سكون مع النفس فنجان قهوة يذكر بالدفء الضائع

أغنية قديمة كانت ترقص القلب قبل الجروح

وأحياناً ، مجرد أن أغمض عيني

وأتذكر تلك النظرة الطويلة تحت شجرة الجميز

تلك الغصة الجميلة في الحلق

ذلك الحلم الذي كان يجعلني أشعر أنني على قيد الحياة

وأقول لنفسي : لا بأس أن تكوني ضعيفة الآن

لا أحد يراكِ

تُحدث نفسها

وأن أسمح ولو للحظة ، أن أكون ضعيفة ممنوع؟

فليكن سراً بيني وبينك يا قلبي

أنت وحدك تعلم أني لا أزال مراهقة

تحمل في صدرها قلباً يرتجف من حب أول مات قبل أن يولد

داخل هذه المرأة الكبيرة المتعبة

التي لا تعرف كيف تتوقف عن الم

(تصمت طويلاً ، ثم تهمس وهي تنحني برأسها)

وإن أردت البكاء جربي

حتى لو لم تنزل الدموع ، جربي

ليعرف الذي في داخلي أنه مسموح له أن يتوجع

مسموح له أن يصرخ

مسموح له أن يموت قليلاً

ثم يعود ليحيا من جديد

ربما يجد تلك النظرة الطويلة مرة أخرى

ربما يرقص تحت المطر دون خوف

ربما يحب لأول مرة من جديد

ربما يجد السلام في الفراغ الذي تركه الفقدان

تنحني رأسها تماماً ، الضوء يخفت تدريجياً

حتى يغرق كل شيء في الظلام

ستار

طارق غريب – مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock