
اعلموا يرحمكم الله أن العشر الأخيرة من شهر رمضان سوق عظيم يتنافس فيه المتنافسون، وموسم يضيق فيه المفرّطون، وامتحان تبتلى فيها الهمم، ويتميز أهل الآخرة من أهل الدنيا، طالما تحدث الخطباء وأطنب الوعاظ وأفاض الناصحون بذكر فضائل هذه الليالى، ويستجيب لهذا النداء قلوب خالطها الإيمان، فسلكت هذه الفئة المستجيبة طريق المؤمنين، وانضمت إلى قافلة الراكعين الساجدين، واختلطت دموع أصحابها بدعائهم في جنح الظلام، وربك يسمع ويجيب، وما ربك بظلام للعبيد، أما الفئة الأخرى فتسمع النداء وكأنه لا يعنيها، وتسمع المؤمنين وهم يصلون في القيام لخالقهم وكأنه ليس لهم حاجة، بل كأنهم قد ضمنوا الجنة، فهل يتأمل الشاردون؟ وهل يعيد الحساب المفرطون؟ فهذه أيام شهركم تتقلص، ولياليه الشريفة تتقضى، شاهدة بما عملتم، وحافظة لما أودعتم، هى لأعمالكم خزائن محصنة ومستودعات محفوظة.
تدعون يوم القيامة، يوم تجد كل نفس ما عملت، ينادي ربكم “يا عبادي، إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه” فهذا هو شهركم، وهذه هي نهاياته، كم من مستقبل له لم يستكمله، وكم من مؤمل أن يعود إليه لم يدركه، فهلا تأملتم الأجل ومسيره، وهلا تبينتم خداع الأمل وغروره، فإن كان فى النفوس زاجر وإن كان في القلوب واعظ فقد بقيت من أيامه بقية، بقية وأي بقية؟ إنها عشرة الأخيرة، بقية كان يحتفى بها نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم أيما إحتفاء، فى العشرين قبلها كان يخلطها بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمر وجد وشد المئزر، هجر فراشه، أيقظ أهله، يطرق الباب على فاطمة وعلي رضي الله عنهما قائلا “ألا تقومان فتصليان؟” ويتجه إلى حجرات نسائه آمرا وقائلا “أيقظوا صواحب الحجر، فربَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة”
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام لا يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه، ولقد كان السلف الصالح من أسرع الناس امتثالا واتباعا للنبى صلى الله عليه وسلم، ففى الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية من سورة طه ” وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى” وقال سفيان الثورى رحمه الله تعالى”أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجّد بالليل ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك” وكانت بعض نساء السلف الصالح تقول لزوجها بالليل “قد ذهب الليل، وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت أمامنا ونحن قد بقينا” فاعرفوا شرف زمانكم، واقدروا أفضل أوقاتكم، وقدموا لأنفسكم.
لا تضيعوا فرصة في غير قربة، فإن إحسان الظن ليس بالتمني، ولكن إحسان الظن بحسن العمل، والرجاء في رحمة مع العصيان ضرب من الحمق والخذلان، والخوف ليس بالبكاء ومسح الدموع، ولكن الخوف بترك ما يخاف منه العقوبة، وقدموا لأنفسكم وجدوا وتضرعوا، فتقول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يا رسول الله، أرأيت إن علمت ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ قال “قولى اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني” فاجتهدوا فى عشركم هذه بالدعاء، فقد قال ربكم عز شأنه فيقول تعالى فى سورة البقرة” وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون” أتعلمون من هؤلاء العباد؟ فإن الخلائق كلهم عباد الله، ولكن هؤلاء عباد مخصوصون، إنهم العباد من أهل الدعاء، عباد ينتظرون الإجابة، إنهم السائلون المتضرعون، سائلون مع عظم رجاء.
ومتضرعون فى رغبة وإلحاح، فإن للدعاء شأنا عجيبا، وأثرا عظيما، في حسن العاقبة، وصلاح الحال والمآل، والتوفيق في الأعمال، والبركة فى الأرزاق، فأرأيتم هذا الموفق الذى أدركه حظه من الدعاء، ونال نصيبه من التضرع والالتجاء، يلجأ إلى الله في كل حالاته، ويفزع إليه فى جميع حاجاته، يدعو ويدعى له، نال حظه من الدعاء بنفسه وبغيره، والداه الشغوفان وأبناؤه البررة والناس من حوله كلهم يحيطونه بدعواتهم، أحبه مولاه فوضع له القبول، فحَسُن منه الخلق وزان منه العمل، فامتدت له الأيدى وارتفعت له الألسُن تدعو له وتحوطه، ملحوظ من الله بالعناية والتسديد، وبإصلاح الشأن مع التوفيق.



