مقالات وآراء

قد يكون الوفاء انسان

احمد صالح

في مطلع القرن السادس الميلادي كانت القسطنطينية جوهرة العالم القديم، مدينة الذهب والقباب والقانون.

ولكن خلف أسوارها المنيعة وقصورها الفارهة، كان هناك عالم سفلي يعج بالفقر والجريمة، يتركز حول الهيبودروم
ميدان سباق العربات في هذا العالم المظلم، ولدت تيودورا حوالي عام 500 م ابنة لمدرب دببة يعمل في السيرك، ونشأت لتعمل ممثلة وراقصة إيمائية.

في العرف البيزنطي الصارم آنذاك، كانت كلمة ممثلة مرادفة لكلمة بائعة هوى
وكانت هذه الطبقة تقبع في أدنى درجات السلم الاجتماعي، منبوذة ومحتقرة من النبلاء والكنيسة

شاءت الأقدار أن تتقاطع طرق هذه الفتاة الذكية والطموحة مع جستنيان
، ابن الفلاح الذي صعد ليصبح ولي عهد عمه الإمبراطور جستين الأول وقع جستنيان الذي كان يكبرها سناً ويختلف عنها في كل شيء في غرامها بشكل لا يصدق، معجباً بذكائها الحاد وشخصيتها الفولاذية قبل جمالها.

لكن الزواج كان مستحيلاً. فالقانون الروماني يمنع منعاً باتا زواج الرجال من طبقة السيناتورات بالممثلات.

ولأجلها فعل جستنيان ما لم يفعله أحد قبله أقنع عمه بإصدار تشريع خاص عام 524 م يسمح للتائبات من الممثلات بالزواج من النبلاء.

وفي عام 527 م توج جستنيان إمبراطوراً، وجلست تيودورا بجانبه كزوجة ذات نفوذ غير مسبوق، شريكة فعلية في إدارة الإمبراطورية

جاء الاختبار الحقيقي لهذا التحالف في شتاء عام 532 م حين اشتعلت ثورة نيكا.

كانت غضباً شعبياً عارماً ضد فساد الإدارة والضرائب الباهظة التي فرضها جستنيان لتمويل حروبه ومشاريعه. حاصر الثوار القصر واشتعلت النيران في المدينة.

انهار جستنيان نفسياً، وأعد السفن للهرب، مدركاً أن أيامه قد انتهت. في تلك اللحظة الحاسمة، وقفت تيودورا وسط مجلس الحرب المذعور، وألقت خطاباً شهيرا مسجلا عند المؤرخ بروكوبيوس قائلة بصلابة قد يكون الهروب آمناً والبحر موجوداً، والسفن جاهزة لكن فكروا هل ستحبون الحياة بعد أن تفقدوا السلطة أما أنا فأتمسك بالقول القديم الثوب الأرجواني هو خير كفن

نزلت كلماتها كالصاعقة. خجل جستنيان من تردده أمام شجاعتها، وألغى فكرة الهروب أصدر أوامره للجنرال بيليساريوس بمحاصرة الهيبودروم حيث تجمع الثوار وإغلاق الأبواب. بدأت المذبحة بدم بارد. في غضون ساعات، قتل عشرات الآلاف ربما نحو 30 ألف حسب الروايات الشائعة، رغم الجدل حول الرقم معظمهم من الثوار المتمردين. تم إنقاذ العرش، لكن شرعيته تلطخت بمجزرة جماعية، ساهمت تيودورا في جزء منها

بعد أن استتب الأمر استخدمت تيودورا نفوذها لرد الاعتبار لماضيها وللنساء المستضعفات. دعمت قوانين تجرم الاتجار بالبشر والدعارة القسرية، وأسست ديرا لحماية التائبات والفتيات الفقيرات، وغيرت قوانين الطلاق لتمنح المرأة حقوقاً في الملكية وحضانة الأطفال وجعلت الاغتصاب جريمة كبرى تقاسم الزوجان الأدوار ببراعة انشغل جستنيان بمدونة القوانين وبناء آيا صوفيا والحروب في الغرب، بينما تولت تيودورا إدارة الشؤون الداخلية الحساسة مستخدمة شبكة معلومات للقضاء على الخصوم مثل يوحنا الكبادوكي، وتدخلت في تعيينات دينية وعسكرية بلا رحمة.

في عام 548 م توفيت تيودورا بمرض مفاجئ يشتبه بالسرطان وهي في ريعان قوتها. انطفأ قلب جستنيان بموتها، ولم يتزوج بعدها أبداً عاش سبعة عشر عاماً يزور قبرها مدركاً أنه فقد شريكه الذي يحمي ظهره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock