تشهد منطقة الشرق الأوسط الآن وا حدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات مع تصاعد التوترات بين إيران و إسرائيل وتداخل الدور الأمريكي بشكل مباشر أو غير مباشر ما يجري لم يعد مجرد اشتباكات بالوكالة أو رسائل ردع محدودة بل تحول إلى مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة تتراوح بين الاحتواء الحذر والانزلاق إلى مواجهة أوسع
أولًا: طبيعة الصراع الحالي
التوتر بين إيران وإسرائيل ليس جديدًا لكنه في المرحلة الراهنة يتخذ طابعًا أكثر علنية وخطورة إسرائيل ترى في البرنامج النووي الإيراني والتمدد الإقليمي لطهران تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا بينما تعتبر إيران أن الضغط الإسرائيلي والأمريكي جزء من سياسة احتواء تستهدف نفوذها الإقليمي
خلال الفترة الأخيرة ظهرت ملامح تحول مهم
انتقال المواجهة من حرب الظل إلى ضربات أكثر وضوحًا
اتساع ساحات الاحتكاك من سوريا ولبنان إلى البحر الأحمر وربما ما هو أبعد
ارتفاع مستوى المخاطرة نتيجة تشابك الفاعلين الإقليميين
ثانيًا: الدور الأمريكي… دعم وردع في آن واحد
الولايات المتحدة تمسك العصا من المنتصف بدرجة كبيرة فهي من جهة تؤكد التزامها بأمن إسرائيل وتقدم دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا واضحًا ومن جهة أخرى تحاول تجنب حرب إقليمية شاملة قد تجر قواتها إلى مواجهة مباشرة مع إيران
السياسة الأمريكية الحالية تقوم على ثلاث ركائز
1ـ الردع العسكري عبر الانتشار البحري والجوي
2 ـ الاحتواء السياسي لمنع التصعيد غير المحسوب
3 ـ إدارة التوازن مع الحلفاء العرب الذين يخشون اتساع الحرب
لكن هذه المعادلة تظل هشة لأن أي ضربة كبيرة غير محسوبة قد تدفع واشنطن إلى انخراط أعمق مما تخطط له
ثالثًا: حسابات إيران… الصبر الاستراتيجي والمناورة
إيران تتبع ما يمكن وصفه بـالتصعيد المحسوب فهي حريصة على
ـ الحفاظ على صورة الردع وعدم الظهور بمظهر المتراجع
ـ تجنب حرب شاملة مع الولايات المتحدة
ـ استخدام أوراق النفوذ الإقليمي كورقة ضغط
طهران تدرك أن المواجهة المباشرة الواسعة قد تكون مكلفة للغاية اقتصاديًا وعسكريًا لذلك تميل إلى العمل عبر مستويات متعددة من الضغط دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل حتى الآن
رابعًا: إسرائيل… بين الردع والقلق الوجودي
إسرائيل تنظر إلى المشهد من زاوية أمن قومي حاد. المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعتقد أن ترك إيران تقترب من العتبة النووية أو تتمدد عسكريًا في الإقليم يمثل خطرًا طويل المدى
لذلك تميل إسرائيل إلى
* توسيع هامش الضربات الاستباقية
* رفع سقف الرد على أي تهديد
* الضغط على واشنطن لعدم تقديم تنازلات لطهران
غير أن هذا النهج يحمل مخاطرة واضحة فكلما ارتفع مستوى الضربات زادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة متعددة الجبهات.\
خامسًا: التداعيات المحتملة على الشرق الأوسط
إذا استمر التصعيد بالمعدلات الحالية فهناك عدة سيناريوهات مؤثرة على المنطقة
1. سيناريو الاحتواء المتوتر (الأرجح حاليًا)
استمرار الضربات المحدودة والردود المحسوبة دون حرب شاملة هذا السيناريو يعني
ـ توتر أمني مزمن
ـ ضغوط اقتصادية على دول المنطقة
ـ بقاء الممرات البحرية تحت التهديد المتقطع
2 ـ سيناريو الانزلاق الإقليمي
ضربة كبيرة خاطئة الحساب قد تشعل مواجهة أوسع تشمل عدة ساحات النتائج المحتملة
ـ اضطراب شديد في أسواق الطاقة
ـ تهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر وهذا سيلقى بظلاله السلبية على مصر بالتأكد ( قناة السويس ) ضغط أمني واقتصادي على الدول العربية.
3 ـ سيناريو التهدئة المؤقتة
قد تفرض الضغوط الدولية مسار تهدئة مرحلي خصوصًا إذا شعرت الأطراف بكلفة التصعيد. لكنه غالبًا سيكون هدوءًا هشًا لا يعالج جذور الصراع
فالمنطقة تقف حاليًا عند مفترق طرق حساس لا تبدو أي من الأطراف راغبة في حرب شاملة لكن في الوقت نفسه يرتفع منسوب المخاطرة نتيجة الاحتكاك المباشر وتعدد الساحات الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القرارات الكبرى بل في خطأ تقدير واحد قد يحول التوتر المزمن إلى مواجهة مفتوحة
المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القوى الكبرى على ضبط الإيقاع وعلى مدى استعداد الأطراف الإقليمية لتغليب منطق الردع المنضبط على منطق كسر العظم