فن وثقافة

قصة قصيرة من مجموعتي القصصية صدى الارواح

شرفة الجدار والإنفجار

من وسط الركام، طلّ ذلك الجدار صامدًا لم يقع، كأنه أبى أن يموت كبقية جدران المنزل الذي كان أحدها.

أو كأنه يعلن أن موعد موته لم يحن بعد، فلعلّ من خلفه مَن يجب عليه حمايته، فلا يحق له السقوط الآن، إذ لا تزال أمامه مهمة لم تكتمل.

جدارٌ كُتب عليه: “الموت للمحتل… الموت لكل خائن.”

كان يتوسط الجدار شرفة صغيرة، ما زال إطارها الخشبي قائمًا.

في زاوية الشرفة كان يستقر ثقب ليس بالكبير ولا بالصغير، أحدثته طلقة رصاص كأنها استهدفت الإطار فأصابته في مقتل.

لكن ذلك الثقب كان يشغله فوهة بندقية قنص، يحملها من خلف الجدار جاسر، أو كما يسميه الصديق والعدو على حد سواء: “الشبح”.

كانت عين جاسر مثبتة على المنظار المكبّر المُلحق بالبندقية. لم يبقَ في خزانتها إلا رصاصة واحدة.

وعلى بُعد لا يتجاوز مئتي متر أمام الجدار الصامد، كانت قوة مشاة مدججة بالسلاح، يرتدون ملابس الحرب التي نُقش عليها ذلك الرمز المقيت: النجمة السداسية، تتقدّم نحوه.

لمس جاسر الجدار بكفه، وهمس كأنه يحدثه:

“لم يبقَ سوانا يا صديقي… فهل ستصمد معي؟”

صمت، ثم ابتسم، كأن الجدار أجابه، فأعجبته الإجابة وطمأنته.

عاد جاسر إلى منظاره، يحرك فوهة بندقيته يمينًا ويسارًا، يراقب أفراد القوة الزاحفة نحوه ونحو رفيقه الجدار.

كان يمرّ بواحد تلو الآخر، وكأنه يتخيّر مَن ستكون له الرصاصة الأخيرة، مَن سيكون أول الداخلين إلى جهنم.

مرّت لحظات، تذكّر خلالها مشهد مقتل رفاقه… دمعة ساخنة انسلت من عينه حينما تذكّر ذلك الجندي الحقير الذي أطلق دفعة كاملة على جسد رفيقه الجريح رغم عجزه وسقوط سلاحه.

تنفّس بعمق… عاد للتركيز… يعلم أن رصاصة واحدة ستُسقط فردًا واحدًا، وأن الدور بعدها سيكون عليه.

ثم لاحت على شفتيه ابتسامة نصر. تحسس الجدار، وقال: “يبدو أن لحظتنا لم تأتِ بعد يا صديقي… سنحظى بيوم آخر، ومواجهة أخرى.”

نظر في المنظار… وضع إصبعه على الزناد… ضغط.

في النشرة المسائية للقناة العبرية، قرأت المذيعة بوجه يعلوه الحزن والأسى:

“في كمين محكم، قُتل خمسة وثلاثون ضابطًا وجنديًا من جيش الدفاع، أثناء عملية تمشيط لإحدى المناطق المشتبه بها. تبيّن لاحقًا أن المنطقة كانت مزروعة بالألغام، والتي لم يتم اكتشافها في الوقت المناسب.”

فلاش باك

رأى جاسر عبر المنظار ثلاثة من الجنود يزرعون ألغامًا تحت الركام. كان يعرف هدفهم: ألا يعود النازحون إلى بيوتهم. لكن يبدو أنهم الآن سيحصدون ما زرعوه.

صوب رصاصته نحو لغم وسط الجنود، وضغط الزناد.

لم تمر ثوانٍ، حتى بدأت أشلاء القوة في التطاير، بفعل انفجار متسلسل أحدثه الحطام فوق الألغام.

أخرج جاسر رأسه من خلف الجدار، فرأى ذلك الجندي الحقير، الذي قتل رفيقه، قد فارق الحياة، ورأسه المثخن ينظر إليه بعينين لا حياة فيهما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock