
✦ /
هناك قلوب لا تشفى، بل تتعلّم التعايش مع الوجع كما يتعلّم الأعمى طريقه باللمس.
يتأقلمون مع الغياب كما يتأقلم الجرح مع وجوده،
لا ينسون، بل يضعون الحزن في مكان آمن داخلهم،
حتى لا يفضحهم في منتصف النهار حين يبتسمون.
الذين لا يتعافون تمامًا يعرفون كيف يخفون وجعهم ببراعة.
يضحكون كثيرًا كي لا يُسألوا،
وينشغلون دائمًا كي لا يسمعوا داخلهم.
يشاركون العالم ضجيجه،
لكنهم حين يخلدون إلى الليل،
يعود كل شيء إلى صمته القديم:
الأسماء، الأصوات، الرسائل المحذوفة، والوجوه التي لم تعُد.
يتعافون في العلن لأن الناس لا تحتمل التكرار،
لكنهم في الخفاء ما زالوا هناك… عند أول وجع لم يُفهم،
وأول وداع لم يُشرح، وأول وعد لم يُوفَ به.
أحيانًا يظنون أنهم نسوا،
لكنّ النسيان كاذب،
يهدأ قليلًا ثم يفتح الباب لذكرى عابرة،
فتسقط كل محاولات النجاة في لحظة واحدة.
الذين لا يتعافون تمامًا لا يعيشون على الأطلال،
لكنهم لا يعرفون مدينة أخرى غيرها.
كل الطرق الجديدة تذكّرهم بالطريق القديم،
وكل ضوءٍ جديد يذكّرهم بظلٍ رحل.
يتظاهرون بالقوة، لا لأنهم أقوياء فعلًا،
بل لأن التعبير عن الضعف صار رفاهية لا يملكونها.
هناك أشياء لا تشفى بالوقت،
بل بالتصالح مع فكرة أنها لن تشفى أبدًا.
فيتعلّمون أن يحملوا الوجع برفق،
أن يربتوا عليه حين يستيقظ،
أن يناموا معه بدلًا من محاربته.
يتألمون حين يُقال لهم “انسَ”،
كأن الذاكرة زر يُطفأ بكلمة.
النسيان عندهم ليس اختيارًا،
بل معركة يُهزمون فيها كل يوم ثم يبتسمون كأنهم انتصروا.
الذين لا يتعافون تمامًا يعرفون أن الله وحده يرى ما لا يُقال،
يعرفون أنه وحده يعلم كم مرة كسروا صمتهم بالدعاء،
وكم مرة حاولوا النسيان فخذلهم الحنين.
يعيشون في سلامٍ مؤقت، كمن يضع زهرة على قبرٍ يعرف أنه لن يزهر.
لكن رغم كل ذلك…
في داخلهم ضوء صغير لا ينطفئ،
يقول إن النجاة ليست نسيانًا،
بل تقبّل أن الحياة ستمضي — حتى بالقلب الناقص.
يستيقظون كل يوم، يواجهون العالم،
يرتبون وجعهم كمن يرتب سريرًا يعرف أنه لن ينام فيه.
هؤلاء هم الذين لا يتعافون تمامًا،
لكنهم يواصلون الحياة بطريقةٍ تليق بنُبل قلوبهم.
وجعهم أنيق، وصبرهم صامت،
وحين ينظرون إلى السماء،
يشكرون الله لا لأنهم بخير،
بل لأنهم ما زالوا قادرين على الإحساس،
حتى لو كان الإحساس وجعًا.



