عربي وعالمي

كيف استغلت اسرائيل الحرب الإيرانية بصرف النظر عن بدء إنشاءها قاعدة عسكرية بالبحر الأحمر؟

محمد مختار

في الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بتطورات الحرب الدائرة مع إيران تتكشف في المقابل تحركات جيوسياسية موازية قد تعيد تشكيل موازين القوى في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم وهي منطقة القرن الأفريقي.
فبعيدا عن ساحات القتال المباشرة تشير تقارير دولية كشفت عنها وكالة بلومبرج إلى أن تل أبيب بدأت خطوات فعلية لدراسة إنشاء قاعدة عسكرية قرب مدخل البحر الأحمر وتحديدا في إقليم أرض الصومال وهو إقليم انفصالي يطل على خليج عدن ويتمتع بموقع استراتيجي بالغ الحساسية بالنسبة لحركة الملاحة العالمية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بسبب قربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم وناقلات الطاقة المتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس.
لذلك فإن أي وجود عسكري جديد في هذه المنطقة لا يمكن فصله عن الصراع الدولي المتصاعد على النفوذ في الممرات البحرية الحيوية.
موقع استراتيجي يثير شهية القوى الإقليمية
يعد إقليم أرض الصومال من أكثر المناطق حساسية في القرن الأفريقي من الناحية الجيوسياسية نظرا لإطلالته المباشرة على خليج عدن وقربه النسبي من السواحل اليمنية. فالمسافة البحرية بين بعض مناطق ساحل الإقليم والساحل اليمني لا تتجاوز بضع مئات الكيلومترات ما يمنحه أهمية كبيرة لأي قوة ترغب في مراقبة التحركات العسكرية في جنوب البحر الأحمر.
وتشير تقارير اقتصادية وأمنية إلى أن تل أبيب ترى في هذا الموقع فرصة استراتيجية لتعزيز قدراتها الاستخباراتية في المنطقة، إذ يمكن استخدامه لمتابعة التطورات العسكرية في اليمن ومراقبة حركة الملاحة في خليج عدن كما قد يشكل الموقع نقطة انطلاق محتملة لأي عمليات عسكرية أو استخباراتية في حال تصاعد التوترات الإقليمية.
تقارير عن تحركات إسرائيلية على الأرض
بحسب تقارير إعلامية دولية، من بينها تقارير نشرتها وكالة بلومبرج، فقد أرسلت تل أبيب بالفعل فريقا من المسؤولين الأمنيين إلى أرض الصومال لدراسة إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية في الإقليم وتفيد هذه التقارير بأن الوفد الأمني قام بجولات ميدانية على طول الساحل للبحث عن مواقع مناسبة يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.
وذكرت المصادر أن الفريق الإسرائيلي أمضى عدة أيام في فحص عدد من المناطق الساحلية، من بينها مناطق مرتفعة تطل على خليج عدن وذلك لتقييم مدى ملاءمتها لإقامة منشآت عسكرية أو استخباراتية وتشير بعض التقديرات إلى أن المسافة بين تلك المواقع والسواحل اليمنية قد تصل إلى نحو 260 كيلومترا فقط وهو ما يعزز أهميتها الاستراتيجية.
المواقع المحتملة للقاعدة
ومن بين المواقع التي خضعت للفحص منطقة قريبة من مدينة بربرة الساحلية حيث توجد بالفعل منشآت عسكرية وبنية تحتية متطورة، من بينها قاعدة جوية وميناء تستخدمهما دولة الإمارات في عملياتها اللوجستية في المنطقة.
تعاون أمني واستخباراتي محتمل
تحدث مسؤولون في إدارة إقليم أرض الصومال عن إمكانية تطوير تعاون مع تل أبيب في مجالات الأمن الاستراتيجي والاستخبارات. وتشير بعض التقديرات إلى أن التعاون قد يشمل تبادل المعلومات الأمنية والتنسيق في قضايا تتعلق بأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
كما أفادت تقارير إعلامية بأن عددا من الضباط العسكريين من الإقليم تلقوا تدريبات في إسرائيل في إطار برامج تعاون أمني غير معلنة. وتذهب بعض التقديرات إلى أن هذا التعاون قد يشكل خطوة تمهيدية لبناء شراكة أمنية أوسع في المستقبل.
وتشير مصادر إعلامية أيضا إلى أن مسؤولين إسرائيليين يقيمون لفترات مؤقتة في العاصمة هرجيسا لمتابعة هذه الترتيبات في مؤشر على تزايد مستوى التنسيق بين الجانبين.
انعكاسات محتملة على توازنات المنطقةيثير احتمال إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال قلقا لدى عدد من دول المنطقة نظرا لما قد يحمله من تأثيرات مباشرة على التوازنات الجيوسياسية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فوجود قوة عسكرية جديدة في هذه المنطقة قد يضيف بعدا إضافيا إلى المنافسة الإقليمية القائمة بالفعل بين عدد من القوى الدولية والإقليمية كما قد يؤثر على حسابات الأمن البحري في واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم.
وتخشى بعض الأطراف أن يؤدي تحويل أرض الصومال إلى مركز نفوذ عسكري جديد إلى زيادة التوترات في المنطقة خاصة في ظل تعدد المصالح المتشابكة بين القوى الدولية.
موقف مصر وحسابات الأمن القومي
تنظر مصر إلى التطورات في القرن الأفريقي بعناية شديدة نظرا لارتباط هذه المنطقة المباشر بأمن البحر الأحمر وقناة السويس.
كما أن القاهرة تحتفظ بوجود عسكري ضمن بعثات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، حيث يشارك آلاف الجنود المصريين في دعم الاستقرار في البلاد.
وترى القاهرة أن استقرار الصومال يمثل جزءا من منظومة الأمن الإقليمي خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة ولذلك فإن أي تحركات قد تؤثر على توازنات القوة في القرن الأفريقي تحظى بمتابعة دقيقة من جانب المؤسسات السياسية والعسكرية المصرية.
وقد عبّرت مصر في وقت سابق عن رفضها لأي خطوات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الصومال أو المساس بسيادته، مؤكدة أهمية الحفاظ على وحدة الدولة الصومالية.
الدور التركي في الصومال
إلى جانب مصر تلعب تركيا أيضا دورا بارزا في الصومال خلال السنوات الأخيرة إذ تعد أنقرة أحد أبرز الداعمين للحكومة الصومالية في مجالات الأمن والتدريب العسكري والتنمية الاقتصادية.
وقد أنشأت تركيا قاعدة تدريب عسكرية في العاصمة مقديشو كما شاركت في تدريب آلاف الجنود الصوماليين وفي إطار دعمها للحكومة الصومالية في مواجهة الجماعات المسلحة، عززت أنقرة وجودها العسكري في البلاد عبر إرسال معدات عسكرية وطائرات لدعم العمليات الأمنية.
ويرى مراقبون أن أي وجود عسكري جديد لقوى خارجية في أرض الصومال قد يؤثر على التوازنات القائمة بين القوى الإقليمية المؤثرة في الصومال.
كما برزت دول أخرى مثل تركيا والإمارات كلاعبين مؤثرين في موانئ البحر الأحمر والقرن الأفريقي في إطار سباق متزايد للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
إعادة رسم خريطة النفوذ
تشير مجمل هذه التطورات إلى أن منطقة القرن الأفريقي تشهد مرحلة جديدة من إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي والدولي. فالموقع الجغرافي الاستثنائي للمنطقة، المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم يجعلها نقطة جذب للقوى التي تسعى إلى تعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي.
وفي ظل التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط والتنافس الدولي على طرق التجارة العالمية، يبدو أن الصراع على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن سيظل أحد أبرز الملفات الجيوسياسية في السنوات المقبلة.
في النهاية تعكس التحركات المرتبطة بإقليم أرض الصومال حجم التحولات الجارية في موازين القوى في المنطقة الممتدة من الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي.
فبين الحرب في الشرق الأوسط والصراع الدولي على الممرات البحرية تتشكل معادلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في هذه المنطقة الحيوية.
ويبقى السؤال المطروح هل تتحول أرض الصومال بالفعل إلى ساحة جديدة لصراع القواعد العسكرية، أم أن التوازنات الإقليمية والدولية ستفرض مسارا مختلفا يحافظ على استقرار هذه المنطقة الحساسة من العالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock