
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وإن الحديث عن الوقت يملأ القلب كمدا ويملأ النفس حسرة وألما حين تعلم أن دول العالم الإسلامي كلها تصنف ضمن دول العالم الثالث والدول المسماة بالدول النامية، حين تعلم ذلك وتنظر إلى الإحصائيات فتجد أن أكثر الدول بطالة دول الإسلام، ومتوسط العمل اليومي في بعض البلاد لا يزيد عن سبعة عشر دقيقة، وحين تعلم أن أكثر الناس تضييعا لأوقاتهم أمام التلفاز وغيره من الشاشات المسلمون، وإن نظرة فاحصة لما تقدمه هذه الشاشات من أفلام ومسلسلات وبرامج هابطة أو غير نافعة تنبئ عن مدى الإستهتار بقيمة الوقت عند كثير من الناس، وإن من شدة خوف الصحابي ثابت بن قيس رضي الله عنه هو أن يكون حبط عمله فروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال لما نزلت هذه الآية من سورة الحجرات ” يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي”
وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في بيته حزينا، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فقال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر بالقول حبط عملي، وأنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال، فقال “لا، بل هو من أهل الجنة ” متفق عليه، وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في هذا دليل على أن الخوف قد تكون عاقبته خيرا، فهذا الرجل خاف أن يكون من أهل النار لأنه كان جهوري الصوت، وكان أحد خطباء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فصيحا بليغا رضي الله عنه، فلما نزلت هذه الآية فلشدة خوفه من الله عز وجل.
إحتبس في بيته يبكي، حتى كان لا يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، ففقده النبي علية الصلاة والسلام، وسأل عنه، فقال الرجل أنا أخبرك خبره، فذهب إليه، فقال ما الذي حبسك؟ قال شر، ويعني بحسب ظنه، لا بحسب الواقع، وهو أنه كان يرفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخاف أن يحبط عمله وهو لا يشعر، هكذا قال الرجل، فأخبر الرجل النبي صلى الله عليه وسم بذلك، ولكنه بشّره هذه البشارة العظيمة، قال له “إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة” وقال في رواية أُخرى “أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة” وقتل رضي الله عنه شهيدا في غزوة اليمامة، وقيل كان سفيان الثوري يشتد قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي، ويقول أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا ويبكي، ويقول أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت.
وقيل أنه بكى محمد بن المنكدر ليلة فكثر بكاؤه حتى فزع أهله فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء إليه فقال ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك، قال مرت بي آية من كتاب الله عز وجل وهي قوله تعالي في سورة الزمر ” وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون” فبكى أبو حازم معه، فقال بعض أهله لأبي حازم جئنا بك لتفرّج عنه فزدته، فإن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر سبحانه وتعالى في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إلى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه.
والمسارعة إلى إمتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، وإجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، ومن تأمل سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأن ذلك هو الذي أوصلهم إلى تلك الأحوال الشريفة، والمقامات السنيات من شدة الإجتهاد في الطاعات، والإنكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات، فضلا عن
المحرمات.



