مقالات وآراء

لبنان وإسرائيل.. حين يصبح العدوان مشروعًا والمقاومة جريمة

بقلم / د. ناصر السلاموني

تعجبتُ—ومعي كثيرون—من مشهد يتكرر بلا انقطاع: إنذارات إسرائيلية بإخلاء قرى ومدن لبنانية، يقابلها نزوح سريع للسكان، وكأن الأمر إجراء روتيني لا يثير الدهشة.
لكن خلف هذا المشهد تختبئ أسئلة أكثر خطورة: أين الدولة اللبنانية؟ أين جيشها؟ ولماذا يقف المجتمع الدولي عاجزًا أو متواطئًا؟ الحقيقة الصادمة أن هذا الصراع ليس مجرد تصعيد عسكري، بل نتيجة تراكمات تاريخية بدأت منذ اجتياح جنوب لبنان عام 1978، مرورًا بغزو 1982 ووصولًا إلى حرب 2006 وما تلاها من اشتباكات مستمرة حتى اليوم، وهو ما يكشف أن الصراع لم يُحل، بل أُدير فقط وفق موازين القوة.
انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، لكنها أبقت على بؤر توتر مثل مزارع شبعا، لتظل ورقة جاهزة لإشعال الجبهة عند الحاجة.
وفي المقابل، نشأ حزب الله كقوة مقاومة، ثم تطور إلى لاعب عسكري وسياسي، ما خلق واقعًا فريدًا: دولة ذات سيادة محدودة، وسلاح فعال خارج إطارها.
الدولة اللبنانية اليوم تواجه أزمة بنيوية؛ جيش محدود الإمكانات، وقرار سياسي مقيد، وانقسام داخلي يجعلها عاجزة عن فرض سيادتها، وفي ظل هذا الواقع تتحول المواجهة إلى صراع غير متكافئ، يدفع ثمنه المواطن البسيط.
ولا يمكن فهم حالة الضعف التي يعاني منها لبنان اليوم دون التوقف أمام نظام تقاسم السلطة القائم على الأسس الطائفية، والذي أصبح جزءًا من تركيبته السياسية، حيث تُوزع المناصب بين الطوائف بدلًا من أن تُبنى على الكفاءة ووحدة الدولة، وهو ما أضعف القرار الوطني وجعله خاضعًا لتوازنات داخلية معقدة.
هذا النموذج، وإن كان له جذور تاريخية في لبنان، إلا أنه تعمّق مع الوقت وأصبح أحد أسباب عجز الدولة عن فرض سيادتها الكاملة.
ولم يكن لبنان وحده في هذا المسار، بل تكرر المشهد بصورة أكثر حدة بعد غزو العراق 2003، حيث تم تكريس المحاصصة الطائفية بشكل واضح بين مكونات المجتمع، مما أدى إلى تفكيك بنية الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع نفوذ داخلي وخارجي.
وخطورة هذا النمط في الحالتين أنه لا يضعف الدولة فقط، بل يعيد تشكيل الولاء من الانتماء الوطني إلى الانتماء الطائفي، ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويجعل القرار الوطني مرتهنًا لتوازنات هشة، وهو ما يفسر كيف تتحول بعض الدول إلى ساحات مفتوحة للصراعات بدلًا من أن تكون كيانات قوية قادرة على حماية سيادتها.
وعلى المستوى الدولي، تبدو الصورة أكثر قتامة؛ فـالأمم المتحدة، رغم قراراتها وانتشار قواتها، لم تستطع فرض واقع مستقر، مكتفية بدور الوسيط، بينما تواصل جامعة الدول العربية إصدار بيانات لا تغير شيئًا على الأرض، وهو ما يعزز شعورًا عامًا بأن المجتمع الدولي لا ينشغل بوقف العدوان بقدر ما ينشغل بإدانة من يتصدى له، في مفارقة تطرح تساؤلات حول معايير العدالة الدولية.
السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان لا تستهدف إنهاء الصراع بقدر ما تقوم على إدارته، عبر ضربات عسكرية متكررة تستهدف البنية التحتية، وفرض واقع أمني بالقوة، وإبقاء الجبهة في حالة استنزاف دائم.
وتتقاطع هذه السياسة مع تصورات أوسع لدى بعض الدوائر الإسرائيلية حول ما يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”، ليس بالضرورة كاحتلال مباشر، بل كهيمنة على محيط ضعيف ومفكك، يتم التعامل معه من موقع التفوق العسكري والدعم الدولي.
مشهد إخلاء القرى اللبنانية لا يعكس اختيارًا حرًا، بل هو نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوة؛ فالمدني يُجبر على مغادرة منزله تحت القصف، بينما يُوصف من يقاوم بأنه إرهابي، في واحدة من أوضح صور ازدواجية المعايير، حيث يُدان الضعيف ويُبرَّر القوي.
ووفق تقديرات دولية وإعلامية، فقد تكبّد لبنان خسائر فادحة، إذ أسفرت حرب 2006 عن أكثر من 1200 قتيل وآلاف الجرحى، وتضرر ما يقرب من 100 ألف وحدة سكنية، مع نزوح نحو مليون شخص، وخسائر اقتصادية تجاوزت 7 إلى 10 مليارات دولار.
أما في جولات التصعيد الأخيرة بين 2023 و2026، فقد سقطت مئات القتلى وآلاف الجرحى، وتعرضت القرى الحدودية لدمار واسع، مع شلل شبه كامل للحياة الاقتصادية، في حين ظلت خسائر إسرائيل محدودة نسبيًا، بما يعكس الفارق الكبير في ميزان القوة.
ورغم كل ذلك، يظل الشعب اللبناني متمسكًا بأرضه؛ يغادر تحت القصف، لكنه لا يتخلى عن وطنه، ويعود لإعادة البناء كلما سنحت الفرصة، في مشهد يجسد صراع الإرادة مع الواقع.
لبنان اليوم لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أصبح نموذجًا تحذيريًا لكل الدول العربية: حين تضعف الدولة، وينقسم المجتمع، ويُقيد القرار الوطني، يصبح الوطن عرضة للاختراق والهيمنة، وتتحول أراضيه إلى ساحات مفتوحة للصراع.
إن ما يحدث يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي، فالدول التي لا تبني قوتها الذاتية، ولا تحافظ على وحدتها الداخلية، قد تجد نفسها في موقع لا تملك فيه قرارها، ولا تستطيع الدفاع عن أرضها.
وفي النهاية، فإن الحفاظ على الدولة القوية، والجيش القادر، والمجتمع المتماسك، لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجود، لأن التاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا يحفظ الأوطان إلا من يملك القدرة على حمايتها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock