
لا زلنا نعيش زخمَ السباق الانتخابي لتشكيل مجلس نواب جديد، في لحظة شديدة الحساسية… لحظة تُعاد فيها صياغة معادلة الدولة بين ما تم بناؤه، وما يجب أن يُستكمل، بين حاضر يتحرك بقوة، ومستقبل ينتظر تشريعات تليق بدولة تريد أن تتقدم لا أن تتردد.
وفي كل مشهد انتخابي يعود السؤال المركزي ذاته:
ماذا نريد من البرلمان المقبل؟
وماذا ننتظر من النائب الذي سيجلس على المقعد الوثير تحت قبة السلطة التشريعية؟
بالطبع هذه ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة مصير. فمجلس النواب ليس مجرد “مسرح سياسي”، ولا منصة خطابة، ولا مقاعد تُمنح للوجاهة.
إنه مؤسسة القرار… تلك التي تتقاطع عندها خيوط التشريع والرقابة وتنظيم السياسات.
هو الجسر الذي تعبر عليه الدولة من إرادة التنفيذ إلى بنية القانون، ومن طموحات التنمية إلى خطط قابلة للتطبيق.
في مقالي السابق أكدتُ على أن اختيار عضو البرلمان ليس مسألة مجاملة أو انطباع وقتي، بل شراكة واعية في بناء مستقبل وطن.
واليوم، ومع استمرار المرحلة الثانية من السباق الانتخابي، تتأكد الحقيقة نفسها:
النائب الحقيقي هو من يملك القدرة قبل الوعود.
فنحن لا نبحث عن خطيب يُجيد رفع الصوت، ولا عن مرشح يوزّع شعارات لامعة سرعان ما تتلاشى، بل نبحث عن نائب يمتلك خبرة واضحة لا مجرد عبارات فضفاضة.. لديه سجل عمل حقيقي لا سيرة مكتوبة.
نبحث عن نائب قادر على التشريع والرقابة، يتابع ويشرّع ويصحّح ويطالب بما يضمن الصالح العام.
نبحث عن شخصية ثابتة في مواقفها، كما نبحث عن رؤية مستقبلية تُقدّم مصلحة الوطن على شعبية اللحظة.
فالتنمية لا تصنعها الأصوات العالية… بل العقول الراجحة.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
لماذا يكتسب البرلمان الجديد هذه الدرجة العالية من الأهمية؟
السبب بسيط وواضح:
لأن مصر تنتقل من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى مرحلة توسيع قدرات الدولة.
فالاقتصاد يحتاج إلى قوانين مرنة تستوعب التحولات الرقمية، وتجذب الاستثمار، وتدعم القطاع الخاص.
والملفات الداخلية — من صحة وتعليم وحماية اجتماعية — تحتاج إلى رؤية تشريعية شاملة تُبنى بجرأة، وتُدار بعقل، وتُطبَّق بمسؤولية.
نحن أمام مجلس لن يكون معنيّاً بتسيير الشأن العام فقط، بل بصياغة مرحلة جديدة من الجمهورية، مرحلة يصبح فيها القانون رافعة للتنمية، لا مجرد نص على الورق.
والتحديات أمام البرلمان كثيرة ومتنوعة:
– إصلاح البيئة الاستثمارية وتشجيع القطاع الخاص.
– تحديث منظومة التعليم وربطها بسوق العمل.
– تطوير البنية الصحية والاجتماعية.
– حماية الهوية الوطنية وتعزيز الوعي الجمعي.
– ملاحقة التحول العالمي نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
كل ذلك يحتاج إلى نائب يدرك التعقيد، ويملك أدوات الحل، ويستطيع أن يسنّ التشريعات الكفيلة بتحقيق المعالجة السليمة.
ومصر — صاحبة واحدة من أعرق حضارات العالم — لا يليق بها برلمان شكلي.
فمنذ آلاف السنين كانت القوانين تُنقش على جدران المعابد، واليوم تُكتب في قاعات البرلمان.
الحضارة تتغير في الشكل، لكنها تبقى في الجوهر: قانون ينظم، ورؤية توجه، ومؤسسات تحمي الدولة.
ويبقى المواطن حجر الأساس. فدوره لا ينتهي عند صندوق الاقتراع؛ بل يبدأ منه: بالمتابعة، والوعي، واحترام القانون.
وكل صوت يخرج بإرادة واعية يرفع الوطن درجة.
في النهاية، الانتخابات ليست طقساً سياسياً، ولا حدثاً موسمياً، بل أحد أهم جسور بناء المستقبل.
وبرلمان 2025 لن يكون مجرد دورة جديدة، بل محطة حاسمة في رحلة دولة تريد أن تكتب فصلها التالي بقوة ووضوح.
أيها الناخب، صوتك ليس رأياً فقط.
صوتك خطوة في طريق وطن يتقدم ولا يتوقف.
وأيها العضو، نريد مسؤولية البناء لا مقاعد الوجاهة.
اللهم هل بلغت… اللهم فاشهد.



