
فى زمن تتسارع فيه الكلمات على منصات التواصل وتتحول أحياناً إلى رسائل مشحونة بالانفعال والاتهامات كتب أحدهم من دولة شقيقة تعليقاً يقول فيه إن المصريين قد يأتون يوماً لاجئين وإن الأيام إذا دارت سيُعاملون بالمثل وهى عبارة قد تبدو عابرة للبعض لكنها تفتح باباً واسعاً للتأمل في تاريخ شعب لم يعرف عبر قرونه الطويلة ثقافة الهروب الجماعى ولا فكرة التخلى عن الأرض مهما اشتدت المحن.
ولفهم هذه الحقيقة يكفي أن نعود بالذاكرة إلى واقعة تاريخية عمرها أكثر من قرنين وتحديداً قبل مئتين وثمانية وعشرين عاماً حين كانت القاهرة على موعد مع واحدة من أصعب لحظاتها مع اقتراب الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت من أبواب المدينة.
في ذلك الوقت لم تكن مصر دولة مركزية قوية كما يتخيل البعض بل كانت السلطة موزعة بين ثلاث قوى متنافسة والي عثماني لا يملك من القرار إلا جمع الجباية وإرسالها إلى الآستانة إلى جانب اثنين من كبار المماليك هما إبراهيم بك ومراد بك وكان الصراع بينهما على النفوذ والحكم يتقدم على أي اعتبار آخر حتى في لحظة اقتراب الخطر الخارجي.
وعندما وصلت أخبار تقدم القوات الفرنسية نحو مصر لم تكن الاستعدادات على مستوى التحدي فمراد بك الذي كان أحد القادة الفعليين للبلاد لم يتجه إلى تنظيم الدفاع ولا إلى إعداد الجنود بل انشغل بحملات في الريف لجمع الغنائم من القرى قبل أن يعود إلى القاهرة ثم يحاول مواجهة الفرنسيين بشكل محدود في البحيرة قبل أن يتراجع سريعاً إلى إمبابة ومع أول صدام حقيقي انهارت قواته وتشتت جنوده بينما انسحب هو إلى الصعيد في قلب المعركة.
أما إبراهيم بك فقد اختار طريقاً مختلفاً إذ غادر القاهرة برفقة الوالي العثماني متجهاً إلى بلاد الشام تاركين العاصمة وسكانها يواجهون مصيرهم في مواجهة جيش منظم يقوده أحد أبرز قادة أوروبا في ذلك العصر.
كانت تلك اللحظة أشبه بترك الشياه للذئاب لكن المفاجأة لم تأت من القصور أو من الجيوش بل من الناس العاديين الذين قرروا أن يقفوا في مواجهة الخطر بما يملكونه من إرادة قبل أي شيء آخر
فعلى الضفة المقابلة للنيل في بولاق تجمع أهل القاهرة بعدما علموا أن المواجهة تدور في إمبابة وقرروا مساندة الجنود المتبقين في محاولة لصد الزحف الفرنسي وعندما أدرك نابليون هذا التحرك الشعبي وجه ضرباته نحو بولاق لإرباك الأهالي تمهيداً لدخول القاهرة.
لكن صباح اليوم التالي كان مختلفاً تماماً فقد أغلقت المتاجر أبوابها وخرج التجار والعمال والحرفيون حاملين النبابيت والعصي واتجهوا نحو بولاق بينما ارتفعت دعوات النفير في الشوارع وأخذت كل طائفة من الحرفيين تجمع المال لإقامة خيام للمتطوعين وتأمين الطعام والمصاريف للرجال الذين قرروا البقاء في المواجهة.
كان الفقراء يخرجون بالطبول والأعلام يرددون الأذكار ويحمسون الناس بينما كان الأثرياء يجمعون الأموال والطعام لدعم المتطوعين في صورة نادرة من التضامن الشعبي الذي لم يكن موجهاً بقرار رسمي بل خرج من وجدان الناس أنفسهم.
وفي قلب هذا المشهد برز دور عمر مكرم نقيب الأشراف الذي أدرك أن المعركة ليست مجرد مواجهة عسكرية بل معركة معنوية أيضاً فصعد إلى قلعة القاهرة وأخذ الراية التي كان المصريون يطلقون عليها البيرق النبوي لما تحمله من رمزية دينية ثم نزل بها إلى الشوارع حاملاً إياها بيده ومتجهاً نحو بولاق تتبعه جموع ضخمة من الأهالي الذين خرجوا بالعصي والنبابيت معلنين استعدادهم للدفاع عن مدينتهم.
لم تكن تلك اللحظة مجرد واقعة عابرة في تاريخ القاهرة بل كانت بداية سلسلة من الانتفاضات الشعبية التي شهدتها المدينة ضد الاحتلال الفرنسي إذ اندلعت ثورتان كبيرتان أربكتا قوات نابليون وجعلتا وجوده في مصر أكثر صعوبة حتى انتهى الأمر بمغادرته البلاد سراً عام سبعة عشر وتسعمئة وألف ثم انتهاء الحملة الفرنسية بالكامل بعد سنوات قليلة.
هذه القصة ليست مجرد ذكرى من الماضي بل هي جزء من فهم طبيعة العلاقة التي تربط المصري بأرضه عبر آلاف السنين فالمصري لم يعرف في تاريخه الطويل فكرة الهروب الجماعي من الوطن سواء كان فلاحاً في الدلتا أو صعيدياً في الجنوب أو سكندرياً على ساحل البحر المتوسط.
ارتباط المصري بأرضه ليس مجرد علاقة جغرافية بل علاقة وجدانية عميقة تشكلت عبر حضارة ممتدة آلاف السنين ولهذا بقي المصري في أرضه رغم الغزوات والاحتلالات وتغير الدول والإمبراطوريات.
لقد مر على مصر غزاة كثيرون وجيوش متعددة من الشرق والغرب لكن القاعدة التي ظلت ثابتة أن المحتل يرحل في النهاية بينما يبقى المصري في مكانه متمسكاً بأرضه وتاريخه.
ومن هنا تبدو تلك العبارات التي تتحدث عن لجوء المصريين أو هجرتهم الجماعية بعيدة تماماً عن فهم طبيعة هذا الشعب الذي اعتاد أن يواجه الصعاب في أرضه لا أن يغادرها وأن ينتظر رحيل العابرين بينما يبقى هو في وطنه كما كان دائماً.
إن تاريخ مصر ببساطة يقول إن الغزاة يأتون ثم يرحلون أما المصريون فيبقون حيث هم دائماً على ضفاف النيل.


