فن وثقافة

الحارة لمنذر رياحنه يُسطّر مجدًا عربيًا ويقتحم قائمة AFMI100 لأعظم الأفلام في التاريخ

الكاتب والناقد الفني عمر ماهر

 في حدث استثنائي يعيد ترتيب خريطة السينما العربية ويضع الضوء على قوة الموجة الجديدة من الأفلام التي تنبع من قلب الواقع الاجتماعي، نجح فيلم “الحارة” في تحقيق إنجاز يُعد من الأبرز خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعلنت AFMI100 رسميًا عن إدراجه ضمن قائمة أعظم 100 فيلم عربي عبر التاريخ، وهي القائمة التي تُعتبر مرجعًا نقديًا وفنيًا دوليًا، وترتكز على آراء مئات الخبراء من نقاد وأكاديميين وباحثين وفنانين وقادة صناعة السينما في العالم العربي. هذا التقدير الاستثنائي لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة قوة الفيلم، صدقه، وجرأته، وقدرته على لمس جوهر الإنسان العربي من خلال قصة تعكس الواقع بكل ما فيه من صراعات وتفاصيل دقيقة.

“الحارة” يتقدّم الصفوف بجوار عمالقة السينما الخالدة

اللافت في دخول “الحارة” إلى هذه القائمة أنه وجد نفسه في صف واحد مع مجموعة من أهم الروائع الخالدة التي صنعت تاريخ السينما العربية، وعلى رأسها أيقونات السينما المصرية مثل حدوتة مصرية للمخرج العالمي يوسف شاهين وبطولة نور الشريف، والزوجة الثانية لسعاد حسني وصلاح أبو سيف، ورائعة شيء من الخوف للنجمة شادية، وكذلك الليلة الأخيرة لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. هذه الأعمال ليست مجرد أفلام؛ بل هي جزء من الذاكرة الجمعية للمشاهد العربي، ووجود “الحارة” بينها يُعد إنجازًا بحد ذاته، ورسالة واضحة بأن الفيلم استطاع أن يحفر لنفسه مكانة بين العمالقة، ليس بتقليدهم، بل بتقديم واقعيته الخاصة وصوته الإنساني المميز.

قوة الفيلم في صدقه وليس في بهرجة الصورة

ما جعل “الحارة” يصل إلى هذه المرحلة من التقدير هو كونه فيلمًا يعتمد على الصدق قبل أي شيء آخر؛ صدق المكان، وصدق الشخصيات، وصدق المشاعر التي تنعكس في كل مشهد. الفيلم لا يقدّم الحارة الشعبية كمكان جامد أو صورة نمطية، بل يتحول على يد المخرج والمؤلف باسل غندور إلى عالم ينبض بالحياة، يضم أبناءه الحقيقيين، ويكشف صراعاتهم بشكل عميق دون مبالغة أو تزييف. هذا الواقع القاسي الذي يعرّيه الفيلم جعل الجمهور يشعر بقربه، والنقاد يلتفتون إليه كعمل يعيد الاعتبار لأفلام الحارة التي كثيرًا ما كانت مرآة المجتمع، ومقياسًا لنبض الشارع العربي.

منذر رياحنه.. حضور ممثل يحمل صدق التجربة

ويأتي هذا الإنجاز ليؤكد أيضًا قوة الأداء التمثيلي الذي قدّمه النجم منذر رياحنه، والذي استطاع بلغة الجسد، وانفعالات العين، والتعبير الهادئ، أن يضع بصمة حقيقية تُضاف إلى رصيده الفني، وأن يقود العمل إلى حالة من التكامل مع بقية أبطاله: نادرة عمران، ميساء عبد الهادي، عماد عزمي، وكل منهم قدّم أداءً يضيف طبقة جديدة لواقع الفيلم. هذه التركيبة التمثيلية المتجانسة أكسبت الفيلم ثراءً إنسانيًا، جعل النقاد يصفونه بأنه من الأعمال العربية القليلة التي حملت روح المكان وشخصياته إلى الشاشة دون أن تفقد صدقيتها.

إنتاج نوعي وعرض عالمي يفتح أبوابًا جديدة

الفيلم من إنتاج بيت الشوارب، ورولا ناصر، وشاهيناز العقاد، وهي أسماء أثبتت أن السينما الجادة ما زالت قادرة على كسب الرهان رغم صعوبة التمويل وندرة الإنتاج النوعي. كما تولت شركة MAD Solutions مهمة توزيع الفيلم عربيًا، ليصل بعد ذلك إلى منصة نتفليكس ويُعرض على نطاق عالمي، وهو ما ساهم في انتشار الفيلم بشكل أكبر وتعزيز حضوره، حتى بين الجمهور غير الناطق بالعربية، ليصبح العمل نموذجًا لسينما عربية قادرة على العبور خارج حدود منطقتها.

إنجاز لا يخص الفيلم وحده… بل السينما العربية كلها

ويأتي إدراج “الحارة” ضمن قائمة أعظم مئة فيلم عربي ليؤكد أن السينما العربية ما زالت قادرة على المنافسة، والتطور، وصناعة أعمال تُحترم فنيًا وتُناقش اجتماعيًا، وتمتلك القدرة على الوصول إلى المشاهد العالمي دون التنازل عن هويتها. إنه إنجاز يُحسب للفيلم وصناعه، لكنه أيضًا انتصار للسينما العربية التي تعود لتقول إن لديها الكثير لتقدمه، وإن الأصوات الصادقة تستطيع دائمًا أن تشق طريقها مهما بدت الظروف صعبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock