
ليست مكانة مصر وليدة ظرفٍ عابر أو نتاج دعاية مؤقتة، بل حصيلة تاريخ طويل من الحضور والتأثير والعمل الحقيقي داخل محيطها العربي. ولهذا فإن أي محاولة للنيل منها عبر كلمات جارحة أو طرح متجاوز لا تعدو كونها موقفًا انفعاليًا يعكس صاحبه أكثر مما يمس الدولة التي ظل اسمها حاضرًا في لحظات الشدة قبل أوقات الرخاء.
فعلى امتداد العقود، لم تكن مصر بعيدة عن قضايا العرب، بل كانت طرفًا أصيلًا في الدفاع عنها. شاركت في معارك التحرر، وساهمت في دعم استقلال دول عربية، وتحملت أعباء سياسية واقتصادية كبيرة حفاظًا على توازن المنطقة واستقرارها. هذه أدوار موثقة في الذاكرة الجماعية، وليست ادعاءات قابلة للتشكيك أو الإنكار.
إن الدول تُقاس عند الأزمات، لا عند تبادل الاتهامات. ومصر أثبتت مرارًا أنها دولة موقف، تتحرك عندما تتطلب الظروف مسؤولية تاريخية، لا بحثًا عن مكسب ضيق أو حضور إعلامي. لذلك فإن التقليل من دورها يبدو أقرب إلى تجاهل متعمد للوقائع، أو قراءة قاصرة لمشهد أوسع من أن يُختصر في رأي شخصي.
كما أن الخطاب الذي يعتمد على الإساءة لا يُعد نقدًا حقيقيًا؛ فالنقد يقوم على الحجة والتحليل، بينما التجاوز اللغوي يكشف غالبًا غياب الرؤية المتماسكة. والكاتب الذي يستبدل النقاش الموضوعي بعبارات قاسية لا ينجح في إضعاف خصمه، بل يضعف قيمة ما يكتبه أمام قارئ يبحث عن الفهم لا الإثارة.
أما الشعب المصري، فقد ظل عبر التاريخ نموذجًا للشعب الصابر المعتز بهويته، القادر على تجاوز التحديات دون أن يفقد تماسكه أو انتماءه. ومن هنا جاء وصف مصر بـ «أم العرب»، باعتبارها مركزًا حضاريًا وثقافيًا احتضن الجميع وأسهم في تشكيل الوعي العربي الحديث.
إن قوة مصر لم تكن يومًا في الرد على الإساءة، بل في الاستمرار بدورها وتأثيرها. فالأوطان العريقة لا تنشغل بالضجيج العابر، لأنها تدرك أن الزمن كفيل بإبقاء ما له قيمة وإسقاط ما سواه.
وفي المحصلة، تبقى الحقيقة الأوضح:
الكلمات قد تثير جدلًا مؤقتًا، لكن التاريخ وحده هو الحكم النهائي. ومصر، بما تملكه من إرثٍ حضاري ودورٍ عربي راسخ، ستظل أكبر من أي محاولة للنيل منها، لأنها دولة صنعت مكانتها بالفعل، لا بالقول.



