
تأكيداً لما طرحه معالي اللواء سامي دنيا في قراءته الاستراتيجية الأخيرة، تمر المنطقة العربية والعالم اليوم بمنعطف تاريخي هو الأخطر منذ عقود، حيث تداخلت صراعات القوى الكبرى مع أزمات إقليمية مشتعلة، وبرزت ملامح نظام عالمي جديد يتشكل تحت وطأة المدافع وصدمات الطاقة. وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز الدولة المصرية ليس فقط كطرف فاعل، بل كبوصلة أثبتت الأيام أن رؤيتها كانت الأبعد نظراً والأكثر صموداً، خاصة وأن العقيدة المصرية قامت دوماً على مبدأ أن السيادة فوق المقايضة، وأن القرار السياسي ليس سلعة للبيع أو الشراء، بل هو نتيجة طبيعية لقوة الدولة وتماسك مؤسساتها الوطنية.
ويشير اللواء سامي دنيا إلى أنه على مدار السنوات الماضية، واجهت مصر ضغوطاً هائلة؛ سياسية واقتصادية وأمنية، حاولت من خلالها بعض القوى ثني إرادة القاهرة أو جرها إلى صراعات بالوكالة، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً، حيث اعتمدت الدولة سياسة “الصبر الاستراتيجي” ورفضت الانجراف خلف المغامرات العسكرية غير المحسوبة، واختارت بناء قوتها الذاتية بصمت، وتحديث جيشها ليكون درعاً للردع لا أداة للعدوان. واليوم، نرى القوى التي حاولت ممارسة تلك الضغوط تعود لفتح قنوات الاتصال مع القاهرة، مدركة أن مفتاح التوازن في المنطقة لا يزال في قبضة الدولة المصرية.
ويظهر هذا التحول بوضوح في المشهد الدولي الحالي؛ فبينما تعيش الولايات المتحدة حالة من الجدل الداخلي العميق حول جدوى الحروب المفتوحة، وتواجه إسرائيل أزمة استنزاف عسكري واقتصادي غير مسبوقة على جبهات متعددة، تبرز الرؤية المصرية كمخرج آمن للجميع. لقد حذرت مصر منذ اليوم الأول للعاصفة من أن اتساع رقعة الصراع سيؤدي إلى انهيار منظومات الأمن الإقليمي والدولي، ومع تصاعد التهديدات في ممرات الطاقة الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، ودخول قوى كبرى كالصين على خط الأزمة بأدوات اقتصادية حادة، بدأ العالم يدرك أن السلام الذي تنشده مصر، والقائم على العدل واحترام حدود الدول الوطنية، هو السبيل الوحيد لتجنب انفجار عالمي شامل.
إن انتصار القاهرة في هذا الاختبار لم يكن بالرصاص، بل بالثبات والمصداقية، حيث تحولت سياسياً إلى مركز ثقل للدبلوماسية الدولية، فلا يمكن تمرير أي اتفاق تهدئة في غزة أو لبنان أو حتى السودان دون المرور عبر الأجهزة السيادية المصرية. كما أثبتت التجربة استراتيجياً أن امتلاك القرار أهم من امتلاك المال؛ فالأموال التي أُنفقت لشراء النفوذ تبخرت أمام الحقائق الجيوسياسية، بينما ظل النفوذ المصري مستنداً إلى الجغرافيا والتاريخ والجيش المتماسك.
ويأتي خروج الرسائل الحاسمة في هذا التوقيت تأكيداً على أن مرحلة الصمت قد انتهت لتبدأ مرحلة جني ثمار الصمود، وسط التفاف شعبي يدرك فطرياً أن هذه الدولة هي سفينة النجاة في إقليم يغرق في الفوضى. إن مصر اليوم لا تقدم نفسها كقوة مهيمنة، بل كرمانة ميزان تسعى لوقف نزيف الدم العالمي وحماية الأمن القومي من الأطماع الإقليمية والدولية. وما يشهده العالم اليوم هو اعتراف ضمني بصحة المنطق المصري الذي طالما أكد عليه اللواء سامي دنيا؛ فالدولة التي صمدت وحدها أمام محاولات التركيع والابتزاز، تقف اليوم شامخة لتقول للعالم إن الاستقرار يبدأ من القاهرة، والحل لن يمر إلا من خلالها وإن الدروس المستفادة من الأحداث الجارية تثبت أن الرهان على الدولة المصرية هو رهان على الحكمة والقوة في آن واحد. فتحية إجلال واحترام لكل مصري شريف آمن ببلده وصمد خلف قيادته، وتحية لصقور مصر الذين يرون ما لا يراه الآخرون، ويصيغون من الصبر نصراً ومن الثبات مستقبلاً. إنها مصر، رمانة الميزان، وسفينة النجاة التي سيبقى الإبحار معها هو الطريق الوحيد للعبور إلى بر الأمان وسط عواصف التاريخ.
حفظ الله مصر، وطناً آمناً، وشعباً صامداً، وقائداً حكيماً يدرك قيمة الأرض ومعنى السيادة.



