
ليست مصر دولة تبحث عن فضلٍ يُذكر، ولا تنتظر شكراً يُقال، فمصر منذ فجر التاريخ كانت اليد التي تعطي، والقلب الذي يسع، والدرع الذي يحمي دون أن يسأل: ماذا سنأخذ مقابل ذلك؟.
مصر لم تكن يوماً عابرة في صفحات التاريخ، بل كانت هي من يكتب التاريخ.
كانت ملاذ الجائع فأطعمته، وملجأ الخائف فأمّنته، وبيت المريض فعالجته، ومدرسة الجاهل فعلمته، ومحراب القيم الذي هذّب السلوك وأقام ميزان الإنسانية.
أعطت بسخاء لا يعرف الحساب، ولم تنتظر مديحاً ولا تصفيقاً، لأن العظمة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها… بل تُثبتها الأفعال.
منذ آلاف السنين، كانت مصر منارة العلم والحضارة، علّمت العالم معنى التوحيد، وأرست قواعد الزراعة والصناعة والتجارة، ووضعت أسس الطب والفلك والهندسة.
لم تكن مصر تابعة لأحد، بل كانت الأصل الذي تعلم منه الجميع، والقيمة التي يُقاس بها التقدم.
وفي العصور الوسطى، لم تتخلَّ مصر عن دورها، بل وقفت سداً منيعاً في وجه الطغاة، تحمي المنطقة وتدفع عنها شرور الغزاة، وتحفظ التوازن حين اختلّت الموازين.
وفي العصر الحديث، لم تتغيّر طبيعتها، فظلت الأخ الكبير الذي يحمل همّ الأمة، ويساند الأشقاء، ويقدم دون منٍّ أو أذى.
ومهما قيل عن ظروف اقتصادية تمر بها مصر اليوم، فهي لحظة عابرة في عمر وطنٍ يمتد لآلاف السنين.
فالقيمة لا تُقاس بالأرقام، ولا تُختزل في احتياطي نقدي، بل تُقاس بالمكانة، بالتاريخ، وبالقدرة على النهوض من جديد. ومصر، كما عرفها العالم، لا تنكسر… بل تعود أقوى.
أما من يتجرأ على الإساءة إلى مصر، أو يحاول التقليل من شأنها، فهو إما جاهل بالتاريخ، أو جاحد للحق.
فمصر ليست دولة تُهان، ولا شعباً يُستهان به. ومن يظن أن فضل المال أو الدعم يمنحه حق التعالي، فقد أخطأ الطريق، لأن مصر لم تُشترَ يوماً، ولن تُشترى.
وإن كان بعض الأفراد قد أساؤوا أو أخطأوا، فمصر أكبر من أخطائهم، وأطهر من أن تُختزل في تصرفات أشخاص. فلا يُحاسب وطن بحجم مصر على أفعال عابرة، ولا يُقاس تاريخ أمة بأخطاء أفراد.
مصر ستبقى كما كانت: عزيزة، كريمة، أبيّة، عصيّة على الانكسار.
مصر تعطي ولا تنتظر، تقف ولا تسقط، وتعلو ولا تُهان.
ومن لا يعرف قدر مصر… فالتاريخ كفيل أن يعلّمه.



