
ليست الإساءة إلى مصر حدثًا جديدًا، فقد اعتادت الدولة التي تقف في مقدمة الأمة أن تكون هدفًا لمن يعجزون عن قراءة التاريخ أو تحمّل حقائقه. لكن ما جاء في إساءة الكاتب لمصر لم يكن مجرد رأي عابر، بل محاولة فجة للنيل من وطنٍ ظل عبر عقودٍ طويلة الدرع الذي احتمى به العرب في أشد لحظاتهم قسوة.
فمصر لم تكن يومًا متفرجًا على أزمات الأمة، بل كانت دائمًا في الصف الأول دفاعًا وتضحيةً وفعلًا. من حروب التحرير إلى دعم حركات الاستقلال العربية، دفعت مصر دماء أبنائها وثرواتها واستقرارها ثمنًا لحماية قضايا لم تكن تخصها وحدها، بل تخص الأمة بأكملها. وعلى أرضها تَشكَّل الوعي القومي العربي، ومن جيشها خرجت معارك الدفاع عن الكرامة العربية، حين اختار آخرون الصمت أو الحسابات الضيقة.
إن التاريخ لا يُكتب بالمقالات الغاضبة، بل بالتضحيات. ومصر التي وقفت مع أشقائها في أزماتهم — سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا — لم تنتظر يومًا ثناءً أو اعترافًا، لأنها تدرك أن دورها نابع من مسؤوليتها التاريخية لا من رغبة في المباهاة. ولهذا فإن محاولة التقليل من شأنها تبدو كمن يحاول إنكار الشمس في وضح النهار.
أما الكاتب الذي اختار طريق الإساءة، فقد قدّم نموذجًا مؤسفًا لانحدار الخطاب حين يتحول القلم من وسيلة وعي إلى أداة إسفاف. فبدل أن يناقش الوقائع، لجأ إلى لغة تحمل قدراً من التجاوز الشخصي والعدائية التي تكشف أزمة أخلاقية قبل أن تكون اختلافًا فكريًا. فالكاتب الذي يهاجم وطنًا بحجم مصر لا يبدو ناقدًا بقدر ما يبدو باحثًا عن ضجيج إعلامي سريع، حتى ولو كان الثمن فقدان احترام القارئ.
والحقيقة أن مثل هذه الكتابات لا تضر مصر، بل تفضح ضيق أفق أصحابها؛ لأن الدول العريقة تُقاس بتاريخها، بينما يُقاس بعض الكتّاب بعدد العبارات الصادمة التي يطلقونها. وبين الاثنين مسافة هائلة لا تُردم بالادعاء ولا بالصوت المرتفع.
مصر، التي وصفها العرب قبل المؤرخين بأنها «أم العرب»، لم تتخلَّ يومًا عن أشقائها؛ وقفت في معارك التحرير، واستقبلت أبناء الأمة وقت الشدة، وحملت عبء الاستقرار الإقليمي حين انهارت دول وتفككت أخرى. هذه ليست شعارات، بل وقائع راسخة يعرفها كل منصف.
ومن هنا فإن الرد الحقيقي على الإساءة ليس الغضب، بل التذكير بالحقيقة:
مصر لم تكن يومًا دولة كلمات، بل دولة أفعال.
أما من يهاجمها بلغة متدنية، فإنه لا يكشف ضعفها، بل يكشف حقيقة خطابه هو؛ خطابًا يفتقر إلى الرصانة، ويعجز عن مواجهة التاريخ إلا بمحاولة تشويهه.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحًا:
مصر تصنع التاريخ…
وغيرها يكتب مقالات عابرة سرعان ما تسقط، بينما يبقى الوطن الذي علّم المنطقة معنى الصمود والكرامة، شامخًا بشعبه الأبي، ثابتًا بدوره، عصيًّا على كل إساءة مهما ارتفعت نبرتها أو انخفض مستوى أصحابها.



