
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية الناتجة عن الهجمات الإيرانية على بعض دول الخليج، برزت ظاهرة لافتة تمثلت في هجوم إعلامي ممنهج من قبل بعض الإعلاميين والصحفيين وصناع المحتوى في المنطقة الخليجية تجاه مصر، وهو هجوم يثير العديد من علامات الاستفهام حول دوافعه وتوقيته، خاصة في ظل موقف مصري ثابت داعم لأمن واستقرار دول الخليج.
يمكن قراءة هذا الهجوم من عدة زوايا؛ أولها حالة القلق والغضب الشعبي والإعلامي في دول الخليج نتيجة التهديدات الإيرانية المباشرة، ما يدفع البعض للبحث عن “مواقف أكثر حدة” من الحلفاء، وفي مقدمتهم مصر.
غير أن هذه القراءة العاطفية تتجاهل طبيعة السياسة المصرية التي تقوم على التوازن والحكمة، حيث تسعى القاهرة إلى احتواء التصعيد بدلًا من تأجيجه.
أما الزاوية الثانية، فهي التوظيف السياسي والإعلامي من قبل بعض المنصات التي تحاول تصدير صورة غير دقيقة عن الموقف المصري، إما لتحقيق مكاسب داخلية أو لتصفية حسابات إقليمية، وهو ما يفسر استخدام خطاب حاد يتجاوز حدود النقد إلى التشكيك.
على مدار السنوات الماضية، أكدت مصر مرارًا أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وهو موقف لم يتغير رغم تعقيدات المشهد الإقليمي.
القاهرة لم تكتفِ بالبيانات السياسية، بل تحركت دبلوماسيًا على أكثر من مستوى لاحتواء الأزمة، وسعت إلى فتح قنوات تواصل مع مختلف الأطراف بهدف الوصول إلى تسوية سياسية توقف نزيف التصعيد.
هذا النهج يعكس إدراكًا عميقًا لخطورة الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، قد تكون عواقبها كارثية على الجميع، بما في ذلك دول الخليج نفسها.
الهجوم الإعلامي، مهما كانت دوافعه، يحمل تداعيات سلبية على مستوى العلاقات العربية المشتركة، إذ يخلق حالة من الاحتقان ويضعف من تماسك الموقف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية.
كما يمنح أطرافًا خارجية فرصة لاستغلال هذا التباين، بما يخدم أجنداتها ويزيد من تعقيد المشهد.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الخطاب قد يؤدي إلى خلق فجوة بين الشعوب، وليس فقط بين الحكومات، وهو ما يمثل تهديدًا طويل الأمد للعلاقات العربية.
في مواجهة هذه الحملات، اتسم الرد المصرى الرسمي بالهدوء والاتزان، حيث فضّلت الدولة عدم الانجرار إلى سجالات إعلامية، مع التأكيد المستمر على ثوابت السياسة الخارجية المصرية.
أما على مستوى الإعلام الرسمي، فقد تم التعامل مع الأمر باحترافية، من خلال توضيح الحقائق وتصحيح المفاهيم المغلوطة دون تصعيد، وهو ما يعكس إدراكًا لأهمية الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع دول الخليج.
كما لعبت الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الدولة للإعلام، دورًا مهمًا في إدارة المشهد، عبر التنسيق مع وسائل الإعلام وتوجيه الخطاب نحو التهدئة وتغليب المصالح المشتركة.
في تقديري، ما يحدث ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضج الخطاب الإعلامي العربي.
ففي لحظات الأزمات، تصبح الكلمة مسؤولية، لا أداة للتصعيد أو تسجيل النقاط.
مصر لم تتخلَّ يومًا عن دعم أشقائها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الحلول العسكرية ليست دائمًا الخيار الأمثل، وأن الدبلوماسية قد تكون الطريق الوحيد لتجنب كارثة إقليمية.
من هنا، فإن المطلوب ليس مزيدًا من الهجوم، بل قدر أكبر من الفهم والتنسيق، لأن المعركة الحقيقية ليست بين الأشقاء، بل مع التحديات التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
ختامًا، يبقى الرهان على وعي الشعوب وحكمة القيادات في تجاوز هذه المرحلة الدقيقة، وإعادة توجيه البوصلة نحو ما يجمع العرب، لا ما يفرقهم.



