
في خضم التصعيد العسكري الخطير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتجه الأنظار مجددًا إلى القاهرة باعتبارها واحدة من أهم العواصم القادرة على لعب دور الوسيط لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
ولعل من ابرز الشواهد على ذلك المكالمة التى جمعت الرئيس الايرانى بالرئيس عبد الفتاح السيسي والذى اوضحت مصر موقفها من الحرب ورفضها المساس بأمن الخليج واستعدادها للتدخل لتهدئة الوضع والوصول لتسوية للحرب كما لعب مصر سابقا دور الوسيط بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فالتاريخ القريب يشهد بأن مصر نجحت مرارًا في إدارة ملفات شديدة التعقيد، كان أبرزها جهود وقف إطلاق النار في حرب غزة، وهو ما يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا مصر تحديدًا؟ وهل يمكن أن تنجح في الوساطة لإنهاء الحرب على إيران؟
الحديث عن الوساطة في أزمات الشرق الأوسط غالبًا ما يبدأ وينتهي عند القاهرة، فمصر تمتلك رصيدًا دبلوماسيًا طويلًا في إدارة الأزمات الإقليمية، إضافة إلى شبكة علاقات متوازنة مع معظم الأطراف الفاعلة في المنطقة.
فعلى مدار العقود الماضية حافظت مصر على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لم تدخل في صدام مباشر مع إيران، كما تحتفظ بعلاقات وثيقة مع دول الخليج والدول الأوروبية.
هذا التوازن يمنح القاهرة ميزة نادرة في عالم السياسة الدولية: القدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون استثناء.
كما أن السياسة الخارجية المصرية اتسمت خلال السنوات الأخيرة بالتركيز على خفض التصعيد ومنع تفكك الدولة الوطنية في المنطقة، وهو ما جعلها لاعبًا مقبولًا في ملفات معقدة مثل ليبيا والسودان وغزة.
فمصر لديها خبرة تراكمية في إدارة الأزمات ،
ليست هذه المرة الأولى التي تتحرك فيها مصر لإطفاء الحرائق في المنطقة.
فقد لعبت القاهرة دورًا حاسمًا في تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار في غزة أكثر من مرة، كما نجحت في إدارة قنوات اتصال معقدة بين أطراف متنازعة لا يجمعها أي حوار مباشر.
هذه الخبرة الدبلوماسية المتراكمة تجعل مصر مؤهلة لإدارة مفاوضات شديدة الحساسية مثل الأزمة الحالية مع إيران، خاصة أن القاهرة تمتلك جهازًا دبلوماسيًا وأمنيًا ذا خبرة طويلة في الدبلوماسية الهادئة والعمل بعيدًا عن الأضواء.
ويأتى السؤال الاهم ما الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر؟
الدور المصري المحتمل قد يتخذ عدة مسارات متوازية: أولًا، فتح قنوات اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران لتقليل فرص التصعيد العسكري.
ثانيًا، التنسيق مع القوى الإقليمية مثل دول الخليج وتركيا لتشكيل مظلة ضغط دبلوماسي تدفع نحو وقف العمليات العسكرية.
ثالثًا، التحرك عبر القنوات الدولية بالتعاون مع أوروبا والأمم المتحدة لإحياء المسار التفاوضي حول الملفات الخلافية.
كما يمكن أن تلعب القاهرة دورًا مهمًا في طرح مبادرة سياسية لوقف إطلاق النار تضمن حفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، وهو عنصر غالبًا ما يكون حاسمًا في نجاح أي وساطة دولية.
مكانة مصر الإقليمية
ما يعزز فرص نجاح الدور المصري هو المكانة التي اكتسبتها القاهرة خلال السنوات الأخيرة باعتبارها ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط. فموقعها الجغرافي، وثقلها العسكري، وعلاقاتها الدولية المتشعبة، جعلت منها نقطة توازن في منطقة تعج بالصراعات.
إلى جانب ذلك، ينظر العديد من القوى الدولية إلى مصر باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على فهم تعقيدات المنطقة والتعامل معها بواقعية سياسية بعيدًا عن المغامرات.
نجاح أي وساطة لا يعتمد فقط على الوسيط، بل على استعداد الأطراف المتنازعة للبحث عن مخرج سياسي ومع ذلك، فإن القاهرة تمتلك العديد من العوامل التي تعزز فرص نجاحها، أبرزها المصداقية والحياد النسبي والخبرة التفاوضية.
وفي حال قررت مصر الدخول بقوة على خط الوساطة، فإن ذلك قد يفتح نافذة أمل لتخفيف حدة الصراع، خاصة في ظل إدراك كثير من القوى الدولية أن استمرار الحرب قد يجر المنطقة بأكملها إلى مواجهة واسعة لا يمكن التكهن بنتائجها.
في عالم يمتلئ بالصراعات، تبقى الوساطة فنًا يحتاج إلى دولة تمتلك الحكمة والثقل السياسي والقدرة على التواصل مع الجميع. وربما لهذا السبب تحديدًا، كلما اشتعلت الأزمات في الشرق الأوسط، تعود الأنظار إلى القاهرة.
فهل تنجح مصر مرة أخرى في أداء دور رجل الإطفاء الدبلوماسي في المنطقة؟
الإجابة قد تتوقف على الأيام القادمة، لكن المؤكد أن القاهرة تظل أحد أهم مفاتيح الاستقرار في الشرق الأوسط.



