مقالات وآراء

مفاوضات الخضوع: محاولة إيرانية لتفادي الانهيار تحت ضغوط متعددة

عمرو بسيوني

تواجه إيران اليوم خليطًا غير مسبوق من الضغوط، يدفعها إلى طاولة المفاوضات في ما يشبه حالة “الخضوع” لاستحقاقات دولية كانت ترفضها سابقًا. هذا التحول في الموقف، من التصريحات المتعنتة إلى الاستعداد للتفاوض على ملفات حساسة كالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية، لا ينبع من قوة أو مكاسب استراتيجية، بل هو في جوهره محاولة يائسة لتفادي سيناريو الانهيار الكامل تحت وطأة تهديدات وجودية.

يأتي على رأس هذه التهديدات الخطر العسكري المباشر، المتمثل في الحشود الأمريكية والإسرائيلية والتصريحات التي لم تعد تحتمل التأويل. النظام الإيراني يدرك أن مواجهة عسكرية شاملة قد تكون الضربة القاضية التي لا يقوى على تحملها، خاصة وهو يواجه من الداخل ضعفًا مؤسسيًا عامًا وهشاشة في بنيته تجعل أي صدام خارجي خطرًا على استقراره الداخلي أولاً. هذا الاستقرار الذي يتآكل بالفعل تحت ضغط شعبي متصاعد، يناهض سياسات النظام ويثقل كاهله، ويجعله يخشى أن تكون أي صدمة عسكرية هي الشرارة التي تطلق الاحتجاجات من عقالها.

ولم يعد النظام قادرًا على الاعتماد على أذرعه الإقليمية كورقة ضغط قوية، فالكثير من هذه الأذرع تواجه تراجعًا وضغوطًا مضادة في ساحات الصراع المختلفة، مما يضيّق من هامش المناورة الإيرانية ويدفعها نحو البحث عن مخارج دبلوماسية. في هذا السياق، تحوّلت الوساطات الإقليمية العاجلة، من دول تخشى تبعات الحرب على أمنها، إلى شريان حياة قدم للنظام الإيراني مخرجًا يحفظ به ماء وجهه. فجأة، أصبح ممكناً الحديث عن التفاوض بعد شهور من الخطاب الكبريائي الرافض للتفاوط تحت التهديد، وهو تحول يكشف الهوة بين الخطاب المعلن والواقع الميداني القاسي.

لذا، فإن هذه الجولة التفاوضية لا تُعَدّ خطوة استباقية لتحقيق مكاسب، بل هي بالأحرى أداة دفاعية لكسب الوقت ودرء الكارثة. التركيز على الملف النووي في المفاوضات يبدو كمخرج تقني يحاول من خلاله النظام حرف الانتباه عن القضايا الأكثر إحراجاً وإيلاماً له، مثل الدور الإقليمي للحرس الثوري. النتيجة المرجوة ليست اتفاقًا تاريخيًا يحل التناقضات الجوهرية، بل ربما هدنة هشة تزيح شبح الحرب الموعدة اليوم، مع بقاء جذور الأزمة سليمة وقابلة للانفجار مرة أخرى في أي لحظة، طالما أن الدافع الإيراني الأساسي مستمرٌّ في كونه الخوف من الانهيار، وليس السعي نحو الاستقرار الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock