مقالات وآراء

مقال رأي بين شماعة اللجان وغياب النقد: من يقتل الفن فعلًا؟

بقلم: چھاد القاضي

أؤمن أن النقد الفني ليس مجرد تعليق على عمل إبداعي بعد صدوره، بل هو أداة تساعد في تشكيل العمل نفسه، كما تسهم في بناء ثقافة التذوق لدى الجمهور، فالنقد الجاد يدفع الفنان إلى تطوير أدواته، ويمنحه فرصة لرؤية عمله من زاوية أخرى قد تكشف له آفاقًا جديدة في التعبير، سواء في العمق الفكري أو في مساحة الترفيه التي يقدمها للجمهور.
لكن حين ننظر اليوم إلى واقع النقد الفني، أجد أننا بحاجة إلى قدر من التأمل، خصوصاً مع ظهور “السوشيال ميديا” التي برأيي لم يُلغِ النقد كما يظن البعض، لكنها غيّرت طبيعته بشكل واضح، حيث لم يعد النقد كما كان مساحة هادئة للتفكير والتحليل، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من ضجيج واسع تختلط فيه الآراء والانفعالات.
عندما أسترجع ذاكرتي إلى الحقبة الفنية التي تسمى بالزمن الجميل، ألاحظ أن النقد كان يخرج غالبًا من مؤسسات ثقافية واضحة مثل الصحف والمجلات الأدبية والفنية، أو من خلال نقاد معروفين يمتلكون أدواتهم المعرفية، أسماء مثل رجاء النقاش وسمير فريد وإلياس خوري قدّمت نماذج مهمة للنقد الذي يقوم على معرفة حقيقية بتاريخ الفن ومدارسه وتحليل لغته وصوره، لذلك كان النقد حتى عندما يختلف معه الفنان لأنه يُدار داخل سياق مهني واضح.
أما في عصر السوشيال ميديا، فقد خرج النقد من المؤسسة إلى الجمهور العام، وهذا من ناحية أراه إيجابيًا لأن النقاش حول الفن أصبح أكثر ديمقراطية وانفتاحًا، لكن في المقابل تحولت هذه الديمقراطية أحيانًا إلى حالة من الفوضى الذوقية، حيث أصبح من السهل أن تختلط الآراء العابرة بالتحليل الدقيق.
ولا أعتقد أن اللجان الإلكترونية وحدها هي السبب في هذا المشهد، رغم أنها موجودة بالفعل، في رأيي المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة المنصات نفسها؛ فخوارزمياتها تكافئ التفاعل السريع والانفعال أكثر مما تكافئ التحليل الهادئ، وهنا يحدث الخلط بين ثلاثة أشياء مختلفة: الرأي الشخصي القائم على الإعجاب أو عدمه، والهجوم أو الدفاع العاطفي المرتبط غالبًا بجمهور فنان أو بتريند ما، ثم النقد الفني الحقيقي الذي يقوم على تحليل الفكرة والبنية واللغة والسياق.
ومع ذلك، لا أرى أن المسؤولية تقع على الجمهور وحده، بل يتحمل بعض الفنانين جزءًا منها أيضًا، فالفنان عبر التاريخ كان يعمل في بيئة لا تخلو من النقد القاسي، بل إن هذا النقد كان جزءًا طبيعيًا من حياة العمل الفني، هناك الكثير من كبار المخرجين العالميين مثل Martin Scorsese و Stanley Kubrick واجهوا انتقادات حادة في مراحل مختلفة من مسيرتهم، بل إن بعض أعمالهم لم يُنصف إلا بعد سنوات من صدورها.
ما ألاحظه اليوم أن بعض الفنانين أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي تعليق سلبي، فيسارعون إلى تفسيره بإعتباره حملة منظمة أو هجومًا من لجان إلكترونية، ورغم أن هذه اللجان قد تكون موجودة في بعض الحالات، فإن تحويلها إلى تفسير جاهز لكل نقد يخلق مشكلة أكبر؛ لأنه يحرم الفنان من أهم ما يمكن أن يطوّر تجربته، وهو القدرة على الإصغاء، لأن الفن بطبيعته عمل خُلق لكي يتم نقاشه، فهو يتغذى بالحوار والتحليل ويكبر بالإختلاف، وكلما ضاقت مساحة تقبّل النقد، ضاقت معها فرصة العمل الفني في أن ينمو ويترك أثرًا حقيقيًا في الوعي والتذوق الفني.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock