
هذا السؤال ظلّ يراودني طويلاً وكنت أبحث عن إجابة صادقة وواقعية له، بعيدة عن التعقيد الأكاديمي أو المصطلحات النمطية التي يتم تناولها إعلامياً، تكون إجابة أقرب لتجربة شخص يشاهد الفن ويعيش معه لحظات تأمل، ربما تبدو رؤيتي بسيطة أو ممن يطلق عليهم “هواة” لكنها رؤية واحدة من الجمهور، لأن الفن موجود أساسًا لنا نحن المشاهدين، ودورنا أن نقرأه ونفهمه، بل ونلهم الفنان ليقدم أعمالًا أعمق أو أكثر متعة وتأثيرًا.
في كثير من الأحيان، يبدو الفن مجرد مرآة تعكس الواقع ولكني أرى في هذا النوع أن الفنان هنا ليس مبتكرًا، بل شاهد وملاحظ كما هو الحال في الأدب الواقعي العربي، فمثلاً أعمال نجيب محفوظ، الذي رسم القاهرة ومجتمعها بكل تفاصيله، وأظهر تناقضاته وصراعاته، أو في السينما الواقعية مثل أعمال عاطف الطيب، أو في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، التي نقلت الفقر والدمار بطريقة مباشرة ففي هذه اللحظات، نستنتج أن الفن يبدو وكأنه يعرض الحياة كما هي، دون تزيين أو تصنع.
لكني لا أرى أن الفن يكتفي بعكس الواقع فقط بل أحيانًا يلعب دورًا أكبر، دورًا يشكّل تصوراتنا عن الحياة نفسها، فمثلاً في سينما السبعينات، نسج المؤلفون خيالهم لوضع معايير للحب والزواج والأنوثة والرجولة، حتى أصبحت النماذج المثالية للبطل أو المرأة الرومانسية مرجعًا ثقافيًا يتبعه الناس ويعيشون وفقه، بالتالي هنا نستنتج أن الفن ليس مجرد مرآة، بل قوة قادرة على التأثير في أفكارنا وسلوكنا.
الحقيقة عزيزي القاريء التي توصلت إليها هي أن العلاقة بين الفن والواقع تشبه حلقة مستمرة: الواقع يلهم الفنان، والفن يعيد تشكيل تصورنا للحياة، لذلك الفن إذًا ليس مجرد تصوير لما هو موجود، أو مجرد خيال يصنع الواقع، بل هو جزء من حياتنا الثقافية يتفاعل مع تفاصيلنا اليومية ويعيد إنتاجها بصور وأفكار جديدة ايضاً.
في المجتمع العربي اليوم، كثيرًا ما يتأرجح الفن بين وظيفتين متناقضتين: أحيانًا يجمّل الواقع أو يوفر هروبًا منه، كما في الأعمال التجارية وأفلام المقاولات، وأحيانًا أخرى يكشفه ويفضحه كما في الأعمال الدرامية، والفرق يكمن في صدق الفنان وجرأته على مواجهة الحقيقة، ولكني أرى أن أخطر ما في الفن ليس مجرد عكس الواقع، بل عندما يقنعنا أن ما نراه هو الواقع ذاته، هنا يتحول الفن من مرآة إبداعية إلى سُلطة ثقافية قادرة على تشكيل قيمنا وسلوكنا بالإكراه.



