
لقد جاءت كلمات الصحابي الجليل سعد بن معاذ والصحابي الجليل المقداد بن عمرو رضي الله عنهما في موقف غزوة بدر، كلمات تقطر إيمانا ويقينا وإعلان ولاء مطلق لله ورسوله، وإستعداد لتجاوز حدود الممكن في سبيل الحق، لم تكن تلك العبارات حماسة عابرة، بل كانت تعبيرا عن فهم عميق أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم التزام عقدي قبل أن يكون واجبا عسكريا، وأن القيادة إذا صدقت مع ربها صدق معها أتباعها، وهكذا أثبتت غزوة بدر أن القيادة في الإسلام ليست تسلطا، بل أمانة وليست فرض رأي، بل صناعة وعي وليست تعاليا على الجند، بل إشراكا لهم في حمل الرسالة، ومن هنا كان النصر ثمرة قلوب تشاورت، وتآلفت وإجتمعت على كلمة سواء، ولقد حث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على الأخلاق وبيّن منزلتها من الدين في أحاديث كثيرة، ومن هذه الأحاديث هو ما روي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن” رواه الترمذي، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أنا زعيم، أي ضامن، ببيت في ربض الجنة، أي أدناها، لمن ترك المراء، أي الجدال، وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسُن خلقه” رواه أبو داود، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” إن خياركم أحاسنكم أخلاقا” رواه البخاري، وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم” رواه أبو داود، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء” رواه الترمذي.
وأما عن الشهادة في سبيل الله تعالي فروي عن سعيد بن زيد قال صلى الله عليه وسلم ” من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ” رواه الترمذى، ويدخل في الشهداء أيضا أموات الجنود المرابطون، فإنهم الذين يسهرون ليلهم في حراسة هذا الوطن والدفاع عنه وحماية منشآته، وقد ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله ” عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس فى سبيل الله ” رواه الطبرانى والبيهقى والترمذى، فكل من مات من أجل التضحية والدفاع عن الوطن فهو شهيد، وليعلم أن لنيل أجر الشهادة شروطا، وإن من هذه الشروط هو الصبر والاحتساب وعدم الموانع كالغلول، والدين، وغصب حقوق الناس، أو من فجّر نفسه، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل ركب البحر للتجارة فغرق فهل مات شهيدا؟
فأجاب نعم مات شهيدا إذا لم يكن عاصيّا بركوبه، وقال في موضع آخر ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها، فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه فلا يكون شهيدا، فمن مات مضحيا ومدافعا عن وطنه، وهو صابر ومحتسب وموحد فإننا نرجو له الحصول على أجر الشهادة، فرحمة الله واسعة وفضله عظيم، فمدار الأمر على النية، فقد يكون في الظاهر في سبيل الدفاع عن الوطن وفي الباطن غرضه الدنيا، أو منصب أو جاه أو غير ذلك، وجاء عن أبي سلمة رضي الله عنه أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ” يا عائشة إني عارض عليك أمرا، فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان ” فقلت يا رسول الله وما هو ؟ قال صلي الله عليه وسلم ” قال الله عز وجل.
” يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما” قالت فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقرأ الحجر فقال ” إن عائشة قالت كذا وكذا ” فقلن ونحن نقول مثل ما قالت عائشة رضي الله عنهن كلهن.



