في توقيت بالغ الدلالة، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة تجارب الدول الأخرى في تنظيم استخدام الأطفال للهواتف المحمولة، لتؤكد أن الدولة المصرية لا تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها ترفًا أو موضة عابرة، بل كأداة خطرة إن أُسيء استخدامها، خاصة حين تقع في أيدٍ لم يكتمل وعيها بعد.
التوجيهات الرئاسية تعكس إدراكًا عميقًا لحجم التحدي الذي فرضته الهواتف الذكية على المجتمعات الحديثة، بعدما تحولت من وسيلة اتصال إلى عالم موازٍ، يحمل بين طياته مخاطر نفسية وسلوكية وتعليمية تهدد النشء.
ولم يعد خافيًا أن الإفراط في استخدام الهاتف في سن مبكرة بات يرتبط بتراجع التحصيل الدراسي، واضطرابات التركيز، والعزلة الاجتماعية، فضلًا عن التعرض لمحتوى غير ملائم قد يشكل وعي الطفل على نحو مشوه.
وحرص الرئيس السيسي على الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة يكشف عن منهج علمي في التعامل مع القضية، بعيدًا عن الحلول الانفعالية أو القرارات المتسرعة. فعدد من الدول المتقدمة اتجهت إلى فرض قيود عمرية على امتلاك الهواتف الذكية، أو حظر استخدامها داخل المدارس، مع التوسع في برامج التوعية الرقمية، وإشراك الأسرة في الرقابة الإيجابية على سلوك الأبناء.
الأهم في هذه التوجيهات أنها لا تستهدف المنع المطلق، بل تقوم على مبدأ “التدرج الواعي”، بحيث يصل الطفل إلى سن يتمكن فيه من استخدام الهاتف المحمول كأداة نافعة، لا كوسيلة هدم خفي.
وهو طرح يعكس فلسفة الدولة في بناء الإنسان، بوصفه محور التنمية الحقيقية، لا مجرد رقم في معادلات النمو الاقتصادي.
كما تفتح هذه التوجيهات الباب أمام حوار مجتمعي واسع، تشارك فيه المؤسسات التعليمية، والخبراء النفسيون، ورجال الإعلام، وأولياء الأمور، لوضع إطار متكامل يوازن بين حق الطفل في مواكبة العصر، وحق المجتمع في حمايته من مخاطره.
في رأيي، فإن توجيهات الرئيس السيسي تمثل خطوة استباقية بالغة الأهمية، تؤسس لثقافة رقمية رشيدة، وتؤكد أن حماية أبناء وبنات مصر لم تعد قاصرة على الغذاء والتعليم فقط، بل امتدت إلى حماية عقولهم ووجدانهم من مخاطر لا تقل خطورة عن أي تهديد تقليدي.
إنها رسالة واضحة مفادها أن مستقبل الوطن يبدأ من وعي أطفاله، وأن الدولة حاضرة حين يكون الخطر صامتًا ومتخفيًا خلف شاشة صغيرة.