دين ومجتمع

منهج الإسلام فى الشورى والرأى

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

جاء في كتب المغازي أنه سار النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى بدر، حتى نزلوا فى أدنى ماء من بدر، فقال الحُباب يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال “بل هو الرأى والحرب والمكيدة” فقال الحُباب يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم منزلة، ونغوّر ما وراءه من الماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال صلى الله عليه وسلم “لقد أشرت بالرأى” وأخذ برأى الحباب، وفي هذا الموقف درس فى منهج الإسلام فى الشورى والرأى، فما كان أمرا لازما من الله فلا مجال للتقدم عليه أو التأخر عنه، وإنما الواجب إزاءه التنفيذ والالتزام، وأما ما كان من باب الرأي وتدبير أمور الدنيا وتقدير المصلحة فهو باب الإجتهاد بالعقل والاستشارة فى الرأي.

 

وقيل أنه بينما المسلمون في بدر إذ لاح لهم جيش قريش، وكانوا قرابة الألف مدججين بالسلاح ومعهم مائة فرس، وستمائة درع، وجمال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها، تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتنى” وقام ورفع يديه واستنصر ربه وبالغ في التضرع، ورفع يديه حتى سقط رداؤه، وهو يقول “اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض” فالتزمه أبو بكر من ورائه وقال حسبك مناشدتك ربك يا رسول الله، أبشر، فوالذى نفسي بيده لينجزن الله ما وعدك، ودنت ساعة الصفر، وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يسوى الصفوف بقدح كان فى يده ، فإذا بسواد بن غزيّة مائل عن الصف، فطعن فى بطنه بالقدح، وقال استوى يا سواد، فقال يا رسول الله أوجعتنى فقدنى، يعني يريد القصاص.

 

فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد ، فاعتنقه سواد وأخذ يقبل بطنه، فقال صلى الله عليه وسلم” ما حملك على هذا؟ قال يا رسول الله ، قد حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقبل القتال، خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش للمبارزة، كلهم من أسرة واحدة، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج لهم عبد الله بن رواحة وعوف ومعوذ ابنا عفراء، وكانوا من الأنصار فامتنع فرسان قريش من مبارزتهم، فقال صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة وقم يا على، فقتل حمزة شيبة ، وقتل علي الوليد ، واختلف عبيدة وعتبة حتى قطعت رجل عبيدة ، ثم حمل حمزة وعلي على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة معهم، ثم بدأ القتال العام، وشرع النبى صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على القتال.

 

فقال ” قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض” فقال عمير بن الحُمام يا رسول الله، أجنة عرضها السماوات والأرض؟ قال “نعم ” قال بخ بخ، فقال رسول الله “ما يحملك على قولك بخ بخ؟” قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال “فإنك من أهلها” فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال إن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، فما بينى وبين أن أدخل الجنة إلى أن يقتلنى هؤلاء، فقذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل وهو يقول ركضا إلى الله بغيـر زاد إلا التقى وعمل المعاد، والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد، غير التقى والبر والرشاد، هكذا كان أولئك الأبطال ينظرون إلى الحياة، فهى ممر لا مقر، وكل نعيمها زائل لا محالة، ولن يبقى ولن يدوم إلا نعيم الجنان، واشتد القتال، وحمي النزال، وأزهقت النفوس.

 

وتطايرت الرؤوس، وثبت الله المؤمنين، وأمدهم بالملائكة منزلين ومسومين ومردفين، وأغفى النبى صلى الله عليه وسلم إغفاءة ، ثم رفع رأسه فقال أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع أى الغبار، وكان رأس الرجل من الكفار يطير لا يدرى من ضربه، وكانت يده تطير لا يدرى

من ضربها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock