
شهد الخطاب السياسي للرئيس السوري أحمد الشرع تحولًا لافتًا في نبرته تجاه مصر، بعدما انتقل من لغة باردة ومتحفظة، بل وانتقادية في بعض المحطات، إلى خطاب يحمل قدرًا واضحًا من التقدير والشكر للدولة المصرية وللمصريين، لدورهم في دعم الاقتصاد السوري خلال السنوات الماضية.
هذا التغير المفاجئ يطرح تساؤلات مشروعة: ما أسبابه؟ وما أبعاده؟ وهل يعكس مراجعة حقيقية في السياسة السورية أم مجرد مناورة مرحلية فرضتها الظروف؟
ولعل اهم أسباب التغير المفاجئ في الخطاب
أولًا، الضغط الاقتصادي الخانق فالاقتصاد السوري يمر بمرحلة شديدة الصعوبة، في ظل عقوبات دولية، وتراجع العملة، وانكماش الاستثمارات.
ومع تضاؤل الخيارات، باتت دمشق في حاجة ماسة إلى إعادة فتح قنوات التعاون مع دول عربية محورية، وفي مقدمتها مصر، التي تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وخبرة في إعادة الإعمار وإدارة الأزمات.
ثانيًا، الدور المصري غير المعلن فرغم الخلافات السياسية، لم تنقطع مساهمات المصريين في دعم الاقتصاد السوري، سواء عبر العمالة، أو التبادل التجاري غير المباشر، أو الخبرات الفنية والطبية والتعليمية ، هذا الدور العملي، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، فرض نفسه كحقيقة لا يمكن إنكارها.
ثالثًا، تغير المناخ الإقليمي
المنطقة تشهد اتجاهًا عامًا نحو التهدئة وإعادة التموضع، مع تراجع منطق الصدام لصالح التعاون البراغماتي.
وفي هذا السياق، أدركت القيادة السورية أن تحسين العلاقات مع القاهرة ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية.
هذا التحول يحمل عدة دلالات مهمة : أولها أن دمشق باتت تعترف بثقل مصر العربي وقدرتها على التأثير في ملفات إعادة الإعمار وعودة سوريا إلى محيطها الإقليمي.
ثانيها أن الخطاب الجديد يوجّه رسالة طمأنة للداخل السوري، مفادها أن الدولة تسعى لتخفيف العزلة والانفتاح على شراكات قادرة على تحسين الوضع المعيشي.
كما يحمل التحول رسالة للخارج، بأن سوريا مستعدة لتقديم تنازلات لغوية وسياسية من أجل كسر الجمود، والبحث عن داعمين إقليميين موثوقين، بعيدًا عن الارتهان الكامل لمحاور ضيقة.
النتائج المحتملة على المدى القريب، قد يفتح هذا الخطاب الباب أمام تحسن تدريجي في العلاقات المصرية-السورية، ولو في حدودها الاقتصادية والإنسانية.
وقد نشهد تنسيقًا أكبر في ملفات مثل إعادة الإعمار، وتبادل الخبرات، وعودة العمالة.
أما على المدى الأبعد، فإن صدق هذا التحول واستمراريته قد يسهمان في إعادة سوريا إلى معادلة العمل العربي المشترك، شريطة أن يُترجم الكلام إلى أفعال وسياسات واضحة، لا أن يظل مجرد خطاب ظرفي.
في تقديري، فإن تغير خطاب الرئيس السوري تجاه مصر ليس نابعًا من قناعة سياسية كاملة بقدر ما هو اعتراف اضطراري بثقل مصر ودورها.
القاهرة لم تغيّر مواقفها تبعًا للمزاج، بل حافظت على ثوابت دولة تدرك أن استقرار سوريا جزء من استقرار الإقليم.
الكرة الآن في ملعب دمشق: إما أن تستثمر هذا التحول لبناء علاقة متوازنة تقوم على المصالح والاحترام المتبادل، أو أن تفقد ما تبقى من فرص في محيط عربي لم يعد يحتمل سياسات الإنكار والمكابرة.
فالسياسة، في النهاية، لا تُقاس بنبرة الخطاب وحدها، بل بمدى صدقه حين يُختبر على أرض الواقع.



