
لم يكن السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة مجرد تاريخ عابر في سجلات الغزوات، بل كان ميلادًا لـ”فلسفة النصر” التي لا تعترف بلغة الأرقام الجامدة ففي بدر الكبرى ظهرت المعجزة حين اصطدمت قلة العدد بوفرة العقيدة وانكسرت غطرسة العتاد أمام صلابة الإيمان.
تمر القرون ليعيد التاريخ نفسه في العاشر من رمضان سنة 1393هـ (6 أكتوبر 1973م)، وكأن الزمان يختار عمداً نفس الشهر الفضيل ليبرهن للعالم أن الروح التي سكنت أجساد المقاتلين في بدر هي ذاتها التي تسللت إلى وجدان الجندي المصري وهو يقتحم خط “بارليف”.
خيط نوراني يربط بين نصر بدر ونصر أكتوبر تحطمت أسطورة الخط الذي لا يقهر أمام جسارة المقاتل الصائم الذي حمل روحه على كفه. اختلف السلاح والزمان والمكان لكن الجوهر ظل ثابتًا وهو أن النصر يبدأ من الداخل و من يقين لا يتزعزع بأن التضحية هي الطريق الوحيد للكرامة.
وبذات اليقين الذي بنى به الأجداد دولتهم الأولى في ظلال سيوف بدر، استعاد الأحفاد كبرياءهم وعزتهم فوق رمال سيناء لتثبت لنا الأيام أن رمضان ليس شهراً للانكفاء أو الركون إلى السكينة، بل معسكر تدريبي لتقوية الهمم واستجماع القوى واستعداد للحظة الفارقة.
وسيظل رمضان شاهدًا على أن الصيام قمة الحضور الإنساني والبطولي وليس غيابًا عن واقع الحياة.
رحم الله شهداء الوطن وحفظ الله مصر.



