مقالات وآراء

حين ينتفض الصمت دفاعًا عن الظلام

بقلم / عماد القطاوي 

 

 

هناك صمتٌ ليس حكمة، بل عجزٌ مُقنّع، وسكونٌ ليس وقارًا بل خوفٌ متجذّر في الأعماق. ترى وجوهًا شاحبة، وقلوبًا منكمشة، وألسنةً عجزت حتى عن الهمس، كأن الحياة قد انسحبت منها تاركةً أجسادًا تتحرك بلا روح. يلوذون بالصمت حين يكون الكلام واجبًا، ويختبئون حين تكون المواجهة ضرورة، حتى يخالهم الناظر أشباه أحياء لا أكثر.

لكن المفارقة الموجعة تظهر حين ينبثق صوتٌ واحد، شخصٌ قرر أن يكسر جدار الصمت، أن يضيء عتمة الطريق، أن ينفض الغبار عن العقول، ويوقظ في الناس ما تبقى من كرامة حينها فقط، تتبدل الأحوال بشكل يكشف عمق الأزمة: يصحو الخائفون، لا ليكونوا سندًا للحق، بل ليصطفوا في خندق الباطل، يهاجمون النور وكأنه عدوهم، ويخاصمون الحقيقة وكأنها خطر عليهم.

يخرجون من سباتهم فجأة، لا دفاعًا عن المظلوم، بل دفاعًا عن الظلم ذاته يتكلمون بحماسة، لكن حماستهم مسمومة، موجّهة ضد كل محاولة إصلاح، ضد كل من يحاول أن يرفع الرأس بعد أن اعتادوا الانحناء. وكأنهم وجدوا في الاستبداد مأمنًا، وفي الفساد استقرارًا، وفي الظلام راحةً تقيهم عناء التغيير.

هؤلاء لا يخشون الظالم بقدر ما يخشون زواله، لأن وجوده يمنحهم مبررًا دائمًا لضعفهم، وعذرًا جاهزًا لصمتهم. فإذا جاء من يهدد هذا التوازن المختل، ثاروا عليه لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم عاجزون عن تخيّل حياة بلا قيود.

والأشد قسوة أن يتحول الصامت إلى ناقدٍ لمن يتكلم، والخانع إلى خصمٍ لمن يرفض الخنوع. فينقلب الميزان، ويُدان من يطلب الكرامة، بينما يُبرَّر لمن باعها. وهنا لا تكون المشكلة في الظالم وحده، بل في جمهورٍ صامت حين يجب أن يتكلم، وصاخب حين يجب أن يخجل.

إن الصمت في وجه الباطل ليس حيادًا، بل انحيازٌ خفي له. ومن اعتاد الانبطاح، لا يملك الحق أن يهاجم من يحاول الوقوف. فإن كنت قد اخترت الصمت طريقًا، فالتزمه بصدق، ولا تحاول أن تُسقِط عجزك على من قرر أن يكون صوتًا في زمن الخرس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock