مقالات وآراء

موازين الوجود: بين رفعة العرش وهبوط الطين

بقلم: د. كامل كمال عبد القوي

سلسلة مقالات: فى حضرة الصيام 24

الافتتاحية:
في محكم التنزيل،
لا يقدم الله لنا مجرد مقارنات أدبية أو صور بلاغية عابرة،
بل يضع بين أيدينا خرائط وجودية، تحدد مقام الكائن البشري في ميزان الحق.
إننا أمام رؤية إلهية لا تخطئ، تضع في كفتها الأولى إنساناً اتصل بمصدر النور الأسمى، فاستحال كياناً علوياً تتحرك من أجله أركان الملكوت،
وتضع في الكفة الأخرى إنساناً قطع حبل الصلة بخالقه، فارتكس في دركات المادة المحضة.
إن قضية المكانة عند الله ليست تشريفاً صورياً،
بل هي انعكاس حقيقي لجوهر الاختيار الإنساني.
فمن اختار الله بصدق، سخر الله له الكون كله بالحب والدعاء.
ومن أعرض عن ذكره، ضاقت عليه آفاق الأرض ولو ملك كنوزها.
في هذا المقال، نبحر بين مشهدين متباينين:
• مشهد المؤمن الذي تستغفر له الملائكة تحت ظل العرش،
• ومشهد الجاحد الذي ينسلخ من كرامته ليحاكي في اضطرابه وقلقه أدنى مراتب البهيمية.
الاستهلال:
نسيج الوحي الصادم
يرسم القرآن الكريم هذا التباين الصارخ من خلال آيات تهز الوجدان وتوقظ الغافل.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾
(غافر 7)
وقال سبحانه:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ … فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
(الأعراف 175–176)
وقال جل جلاله:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾
(الجمعة 5)
إنه نسيج قرآني يضعنا أمام الحقيقة العارية بلا مواربة:
• أنت إما مشروع ملكي علوي يرفرف في آفاق القدس،
• أو مشروع أرضي يرسف في أغلال الطين،
ولا منطقة وسطى بين نور العرش وظلمة الهوى.
الموضوع:
أولا: المؤمن في حضرة العرش .. سيادة الروح
تأمل هذا المشهد الذي يقف العقل دونه حائراً ومبهوراً.
أنت أيها المؤمن، في لحظة سجودك الخفية، أو صيامك المجهد في هجير النهار، لست وحيداً في هذا الكون الواسع.
هناك كائنات نورانية عظيمة، هي أقوى خلق الله قوة، وأقربهم منه مكاناً، يشغلون وقتهم القدسي وتفرغهم المطلق بالاستغفار لك أنت.
حملة العرش، الذين لا تدرك الأبصار ضخامة خلقهم، يتركون التسبيح المجرد ليدخلوا في حالة تضرع مخلص من أجل نجاتك.
إن استغفار الملائكة للمؤمنين ليس مجرد كلمات باردة، بل هو ميثاق حب علوي يربط السماء بالأرض.
هو إعلان صريح أن المؤمن صار جزءاً أصيلاً من النسيج الكوني المقدس.
إنها السيادة الروحية التي تجعل السماوات ومن فيها في حالة استنفار دائم لتأمين سلامة هذا الكائن الذي آمن بربه.
ثانيا: هندسة التمكين الأبدي
يستمر التدفق الإلهي في سورة غافر ليبين دعاء الملائكة للمؤمنين كما قال تعالى:
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾
(غافر 😎
هذا هو قمة التكريم الإلهي الذي يتجاوز الفرد إلى المحيط.
الله يربط بين صلاح الفرد وصلاح من يحب.
فالمؤمن الحقيقي يفيض نوره على أهله وذريته، والملائكة تسأل الله العظيم أن يجمع هذا الشتات في مستقر رحمة لا فناء فيه.
إنها هندسة الفوز العظيم، حيث يتجاوز الأثر الإيماني حدود الزمان الشخصي ليصبح أثراً وجودياً عابراً للأجيال والمقامات.
ثالثا : فلسفة الانسلاخ ..
السقوط الحر من مدار النور
في المقابل الصادم، نجد صورة المنسلخ.
وكلمة انسلخ في بلاغة العرب توحي بنزع الجلد عن اللحم نزعاً قسرياً.
وهي صورة تعبيرية مذهلة تشير إلى أن آيات الله كانت لهذا الإنسان كـالجلد الذي يحميه ويستره ويمنحه الهوية البشرية الكريمة.
حين يرفض الكافر آيات الله بعد أن وعاها، فهو لا يترك مجرد أفكار نظرية،
بل ينسلخ من جوهر إنسانيته التي خلقه الله عليها.
وبمجرد هذا الانسلاخ، يصبح كياناً مكشوفاً بلا غطاء روحي، فيأخذه الشيطان تحت جناحه المظلم كما قال تعالى:
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾
(الأعراف 175)
إنه تحول جذري مأساوي من كائن محمي بدعاء الملائكة إلى كائن مطارد بنزغات الشياطين.
الانسلاخ هنا هو قرار واعٍ بالهبوط القسري من القمة السامقة إلى القاع السحيق.
رابعا : مثل الكلب .. عبثية الرغبة في زمن المادة
يأتي التشبيه القرآني الصادم ليصف حالة القلق الوجودي والاضطراب النفسي لمن انسلخ من حماية الآيات كما قال تعالى:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
(الأعراف 176)
الكلب يلهث في كل حال، سواء طُرد أو تُرك، وسواء بذل جهداً أو ركن إلى الراحة.
وهذا هو حال من طرد الله من قلبه واستبدل اليقين بالمادة الصماء.
إنه يعيش في حالة لهث دائم لا تنقطع.
يجمع المال فيلهث خوفاً عليه، وينفقه فيلهث طمعاً في غيره.
إنها عبثية الرغبة التي لا تشبع أبداً لأنها فقدت بوصلة السكينة.
لقد فقد هذا الإنسان أثر السكن إلى الله، فصار عبداً لغريزة الجوع النفسي التي لا تشبعها كنوز الأرض قاطبة.
خامسا: مثل الحمار .. مأساة العلم الجاف بلا روح
ثم ينتقل القرآن بوصف دقيق لنوع آخر من السقوط،
وهو الذي يملك أدوات العلم لكنه يفتقد روح العمل والوعي.
قال تعالى:
﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾
(الجمعة 5)
الحمار يحمل فوق ظهره مجلدات العلم وكنوز الحكمة، لكنه لا ينال منها إلا الثقل والتعب والكدح.
هكذا هو المثقف المادي أو العالم الجاحد؛
يملك النصوص الصامتة ولا يملك اليقين الناطق.
يملك ثورة المعلومات ولا يملك نور البصيرة.
إنه كائن حمال للأفكار لا حامل للرسالة.
العلم بالنسبة له عبء يتزين به في المحافل، وليس نوراً ينجو به في المهالك.
وهذا هو جوهر الهبوط المعرفي الذي يفرغ العلم من غايته الأخلاقية.
سادسا: التحليل الفلسفي للمفارقة الوجودية
بين استغفار حملة العرش، وبين لهث الكلب وكدح الحمار،
تكمن الحكاية البشرية في أبهى صورها وأدناها.
• المؤمن كائن سماوي الروح بامتياز، تخدمه الملائكة وتدعو له بالاسم، لأنه اتصل بالحق فصار منه وإليه.
• أما الكافر أو الجاحد، فهو كائن أرضي النزعة، انسلخ من كرامته الآدمية فأصبح عبداً لغريزته القلقة، أو مجرد وعاء أصم لعلم يرهقه ولا ينفعه.
• الفرق هنا ليس في الطبقة الاجتماعية، ولا في الألقاب الأكاديمية، بل في جهة الاتصال.
• المؤمن اتصل بمصدر النور فاستضاءت زوايا روحه، •وغيره قطع الحبل السري مع السماء، فهوى في ظلمات المادة وجاذبية الطين.
سابعا: التمكين الحقيقي بين الرفعة والهبوط
إن التمكين الحقيقي في رؤيتنا ليس في السيطرة المادية على موارد الأرض فحسب،
بل في نيل صفة القبول في ملكوت السماء.
ما قيمة أن يصفق لك أهل الأرض وأنت في ميزان السماء كمثل الكلب الذي يلهث خلف سراب؟
وما قيمة أن تملك ناصية التكنولوجيا والعلوم وأنت في نظر الحق كمثل الحمار الذي لا يعي ما يحمل؟
إن السيادة الحقيقية هي التي عبر عنها الوحي في خاتمة مشهد سورة غافر:
﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
(غافر 9)
ثامنا: مثال تطبيقي .. السكينة الإيمانية وتيه التكنولوجيا
لنتأمل إنسان العصر الحديث.
يملك الأسفار الرقمية في هاتفه، ويملك أدوات الرفاهية في بيته، ومع ذلك تراه يلهث قلقاً واكتئاباً.
إنه يعيش تيه التكنولوجيا التي وفرت له كل شيء إلا السكينة.
هذا هو حال المنسلخ عن الوحي، الذي يملك العلم ويمارس اللهث.
وفي المقابل نجد مؤمناً بسيطاً في محرابه، قد لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكنه يسكن في واحة من الهدوء النفسي.
هذا الإنسان يعيش أثر استغفار الملائكة له.
دعوات وقهم السيئات و أدخلهم جنات عدن تضرب حوله سوراً من المنعة الروحية.
الأول ملك في ثوب فقير لأن قلبه معلق بالعرش،
والثاني فقير في ثوب ملك لأن روحه معلقة بالتراب.
الخاتمة:
إن الله عز وجل حين يعرض لنا هذه الصور القوية في كتابه، لا يريد مجرد إخبارنا بمصير الغابرين،
بل يريد تحذيرنا من السقوط في فخاخ المادة.
يريد أن يقول لنا بلسان الحال:
لقد خلقتكم لتكونوا رفقاء للملائكة في عليين،
فلا تختاروا لأنفسكم مقام البهائم في الوحل.
الفوز العظيم ليس في حجم الكنز الذي نجمعه،
بل في حجم المقام الذي نبنيه عند خالقنا.
مقام تجعل فيه عظمة حملة العرش يلهجون بذكرك في السماوات العلا، بينما الدنيا تضيق بأنفاس من يلهث فيها طلباً لسراب.
إن استعادة كرامتنا تبدأ من العودة الصادقة إلى آيات الله، والتمسك بها كجلدنا الذي يحمينا، لئلا نصبح منسلخين في زمن كثر فيه الضجيج وقل فيه النور.
التأمل:
تأمل الفرق الهائل بين من تذكره الملائكة بالخير عند سدرة المنتهى،
وبين من يضربه الخالق مثلاً في السقوط والتبعية.
أحدهما صار صوته وذكره مسموعاً في آفاق الجلال، والآخر صار حاله لهثاً وقلقاً يروى للتحذير.
السيادة الحقيقية ليست في الألقاب التي يتبادلها البشر في نواديهم،
بل في الاسم الذي تردده الملائكة في صلواتها العلوية.
فيا عجباً لمن يترك جوار الملك في سمائه، ليختار لهث الطريق في طينه.
السؤال:
بأي جناحين تطير في سموات صيامك اليوم؟
بجناح الإيمان الذي يرفعك لمصاف رفقاء العرش،
أم بجناح الغفلة الذي يهبط بك إلى زحام اللاهثين؟
التوصية:
جددوا اتصالكم بآيات الله في هذا الشهر الكريم،
ولا تنسلخوا منها بزينة الدنيا التي تذبل.
فمن انسلخ من ضياء الوحي تخطفته مخالب الظلمة.

حافظوا على رداء الكرامة الإيماني، فبدونه يصبح الإنسان عارياً وهشاً أمام عواصف الفتن وضياع الهوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock