
(قصة حقيقية في ثوبٍ أدبي)
تمهيد: ترتيلة الوفاء
“ثَمَّةَ عهودٌ لا تقبل القسمة على اثنين، ومواثيق صهرتها الأيام حتى غدت ذهبًا خالصًا لا يصدأ. هذه القصة ليست مجرد سردٍ لأحداث، بل هي استحضارٌ لزمنٍ كان فيه “الوفاء” عقيدة، وكانت “الكلمة” دينًا يُدان به. نرويها لنذكر أن خلف جدران البيوت العتيقة في إسكندرية الزمان الجميل نبتت ملاحمُ صامتة، أثبتت أن الحب الحقيقي هو ذلك الذي يزهر في خريف الوجع، وأن القوامة نُبلٌ واحتواء، وليست مجرد لقبٍ أو ادعاء.”
سادنُ الزهرة..
في مطلع القرن العشرين، حيث كانت الشيم تُقاس بالثبات لا بالكلمات، وُلدت في إسكندرية ذلك الزمن الجميل ملحمةٌ تخطت حدود الرومانسية لتصبح “ترتيلةً للروح”.
بطلها الشاب “أمين القلعاوي”، فتىً ألبسته عراقة أصله ثوب الوقار قبل أوانه، مستشعرًا جلال الكلمة الإلهية منذ ليلة زفافه: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}.
عاش جنة الدنيا مع زوجته “جميلة” في قصرٍ منيف تطل شرفته الواسعة على زرقة بحر الإسكندرية، حيث يمتزج صفاء الماء بصفاء المحبة واليسار.
لكن خريف الوجع هجم بغتة؛ فجيعةٌ بوفاة والدها، تلاها سقوط جنينها، وأسكت خطأٌ جراحي أطرافها، وأخرس الحزن لسانها، وغدت رهينة فراشٍ لا يغادره إلا دمعها.
طوال أربع سنوات، كان “أمين” هو القائم على شأنها كله بيده؛ يرفض بأنفة المحب وغيرة الوفي أن تمسَّ زوجته يدٌ غريبة، ولو كانت يد خادمةٍ استؤجرت لخدمتها. كان يرى في القيام عليها حقًّا مخلصًا له وحده، يطعمها بيده، ويحملها كفراشةٍ واهنة ليريها زرقة البحر، مؤمنًا أن خدمة “أمانته” لا تُفوَّض لغيره.
كانت نظرات جميلة صامتة، تختصر اعتذارًا كبيرًا لزوجها عن شبابٍ يحترق في خدمتها، لكن أمين كان يرى في انكسار عينيها “محرابًا” للوفاء.
حوار المحراب.. صراع النبل والقدر
في ليلةٍ من ليالي شتاء عام 1910، وبينما كان أمين يتأمل صورة زفافهما المعلقة بجانب المصحف، دخل عليه والده وبادره بصوتٍ خفيض يغلفه العطف:
— “يا بني، إن بقاءك هكذا يقطع نياط قلبي. أنت تحبس شبابك خلف جدران علةٍ لا يُرجى برؤها. الشريعة يا بني فسحة، والزواج من أخرى ليس خيانة، بل هو حقك لئلا ينقطع نسلك.”
أطرق أمين برأسه لحظة، ثم رفعه شامخًا كمنارة الإسكندرية في وجه العواصف، وقال بلهجةٍ لا تقبل التردد:
“يا أبي، إن الشريعة التي أباحت لي التعدد هي ذاتها التي سمّت الزواج (ميثاقًا غليظًا). فكيف ينفك الغلظ في ساعة العسرة؟ إن جميلة حين كانت في عافيتها وهبتني عمرها وصفاءها، فهل من شيم الكرام أن أهجرها حين أظلمت دنيانا؟ والله يا أبي، لا أبتغي ولدًا إلا من رحم الوفاء، وإن غابت الذرية فحسبي أنني وقفت بباب الله خادمًا لقارورةٍ كسرها القدر، ولن يكسرها جفاؤنا.”
المعجزة.. انبعاث الروح
وفي مساءٍ سكندري غسله اليقين، فتح أمين باب المنزل، فاستبقت عيناه خيالًا يرتجف خلف الستار. كانت “جميلة” تنهض بوئيد الخطى، تتشبث بالأمل كأنها تُبعث من مرقدها بكلمة “كُن”.
سمع احتكاكًا خافتًا لقدمٍ تجرُّ نفسها فوق أرض الغرفة، كخشخشة ورقٍ يابسٍ في أول الخريف، ثم ارتعاشةَ أنفاسٍ متقطعةٍ تحاول أن تنتظم. كانت أصابعها البيضاء تنغرس في حافة الجدار، ترتجف قليلًا، ثم تثبت… ثم ترتجف من جديد.
سقطت المشتريات من يده ذهولًا، فارتطم البرتقال بالأرض وتدحرج في صمتٍ ثقيل، وكأن الزمن نفسه توقف ليستمع إلى تلك الخطوة الأولى.
اقترب منها ببطء، يخشى أن يفزع الحلم فيهرب. كانت قطرات العرق تتجمع عند صدغها، وأنفاسها تعلو وتهبط كصدر طائرٍ صغيرٍ أنهكه الطيران.
التفتت إليه ببطءٍ أذاب قلبه، وقالت وهي تطوق عنقه بصوتٍ لم يفقده الحزن رخامته:
“يا مهجة القلب.. أوفيتَ، وحقَّ أن يُردَّ إليك الوفاء.. لقد أيقظني صدقك قبل أن توقظني العافية.”
الخاتمة
ذهبا إلى الشرفة المطلة على البحر.. وهناك، أمام زرقة الماء اللامتناهية وتدافع الأمواج كأحضان الأحباء، أسندا رأسيهما إلى صدر المدى.
وأُغلق الستار.. ليعلن أن “ميثاق الذهب” لا يقبل الزيف، وأن البيوت التي تُبنى على {إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} لا تهدمها عواصف القدر، بل تزيدها شموخًا كمنارة الإسكندرية التي لا تنطفئ.
تم الجزء الأول بفضل الله



