دين ومجتمع

مَثل المسلمين في توادهم وتراحمهم

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

إن من أعظم أسباب ذلة المسلمين في العصور المتأخرة هو الخلل في فهم قضيتي الرزق والأجل، أو ضعف الإيمان بهاتين المسألتين المهمتين، ولكي يضع المسلم هاتين القضيتين في إطارهما الصحيح فعليه أن يفهم أن الآجال والأرزاق بيد الله تعالى وحده، فقضية الرزق من حيث الإيمان به جزء مهم من الاعتقاد في الله تعالى، فالله سبحانه تكفل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين أو كافرين، كبارا أو صغارا، رجالا أو نساء، إنسا وجنا، طيرا وحيوانا، قويا وضعيفا، عظيما وحقيرا، ولقد روي عن محمد بن الحسن بن عبد ربه القيسي وكان ذا قرابة لرباح قال كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي وأدخل عليه البيت وهو يبكي وآتيه في الجبال وهو يبكي فقلت له يوما أنت دهرك في مأثم قال فبكى ثم قال يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا”

 

وعن الحارث بن سعيد أنه قال أخذ بيدي رباح القيسي يوما فقال هلم يا أبا محمد تجيء حتى تبكي على ممر الساعات ونحن على هذه الحال، قال فخرجت معه إلى المقابر فلما نظر إلى القبور صرخ ثم غشي عليه فجلست والله عند رأسه أبكي فأفاق فقال ما يبكيك ؟ قلت لما أرى بك قال لنفسك فابكي قال، ثم قال ” وانفساه وانفساه ثم غشي عليه ” ولقد كانت القاعدة التي وضعها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أساسا، قام عليه هذا التضامن الجديد، وهي قوله صلى الله عليه وسلم” مَثل المسلمين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” رواه أحمد ومسلم، وقوله صلي الله عليه وسلم ” المؤمنون تتكافأ” أي تتساوى دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم” رواه أحمد وأبو داود، ولقد حقق النبي صلي الله عليه وسلم التضامن بين أفراد المجتمع.

 

وذلك من خلال التكافل الاجتماعي، وهو شعور الفرد المسلم بتحمل التبعات، والمشاركة في الأزمات، إزاء أخيه المسلم الذي يعيش معه في مجتمع واحد تربطه وحدة العقيدة، ووحدة المصالح والأهداف، فعلى جميع القوى الإنسانية في ظل هذا المجتمع الإسلامي ألا تدخر جهدا، أو أن تتوانى في سبيل المحافظة، على مصالح الآحاد، أو أن تقعد عن حل مشكلاتهم، وهذا هو الأساس البنائي الذي أقامه الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمعه الإسلامي الكبير، أما إذا ضاقت الحال، ولم يجد الإنسان عملا، وأصبح فقيرا محتاجا، فعلاج الإسلام حينئذ لهذه المشكلة هو أن يكفل الأغنياء الموسرون أقاربهم الفقراء، وذلك لما بينهم من الرحم والقرابة، وقد وصفه الله بأنه حق من الحقوق الواجبة بين الأقارب، فقال تعالى فى سورة الروم ” فآتى ذا القربى حقه” وإذا عجز الأقارب الأغنياء عن سد حاجة الفقراء.

 

جاء دور المجتمع ككل متمثلا في الزكاة التي فرضها الله عز وجل للفقراء من أموال الأغنياء، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها مقصورة على الفقير، الذي لا يستطيع العمل والكسب، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى” رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وبهذا لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمتبطل كسول حقا في الصدقات ليدفع القادرين إلى العمل والكسب، وإذا بقي في المجتمع فقير لا يستطيع العمل وجب على المجتمع كله أن يُخرج الصدقات ابتغاء مرضاة الله وثوابه، وهذه مزية تميز بها الإسلام عن غيره من المعالجات البشرية للمشكلة، فها هو ذا النبي يُعلم أصحابه الإنفاق، فعن جرير بن عبد الله أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثنا على الصدقة، فأبطئوا حتى رُئي في وجهه الغضب.

 

ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصُرة، فأعطاها له، فتتابع الناس حتى رُئى في وجهه السرور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من سن سنة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء” رواه مسلم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock