
مقدمة:
وحدة المشكاة وبراءة الأنبياء من الفوضى
إنّ الذين يثيرون الكراهية ويفتعلون الفوضى في أركان المعمورة، ويزرعون بذور الشقاق والنزاع، هم في الحقيقة أبعد الناس عن جوهر النبوات وعظمة الرسالات، ولا يعرفون شيئاً عن حقيقة الانتماء لمحمد أو للمسيح عليهما السلام.
فالأنبياء إخوة، دينهم واحد في الدعوة إلى مكارم الأخلاق ونشر الوئام.
وقد بدأت هذه العلاقة الروحية العظيمة ببشارة المسيح الصادقة التي خلدها الوحي:
(وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ مِّن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ).
هذه البشارة لم تكن مجرد إخبار تاريخي، بل كانت إعلاناً عن وحدة الهدف في إنقاذ البشرية وتعبيد القلوب لله بالمحبة والسلام.
أولاً: فقه السلام.. من فطرية الأرض إلى دار الخلد
لقد اتخذت الرسالتان من “السلام” غاية عظمى ومنهج حياة،
فالسلام في الإسلام هو اسم من أسماء الله الحسنى،
وهو التحية التي تفتح بها مغاليق القلوب. وفي هدي محمد ﷺ كان إفشاء السلام هو الطريق الملكي لنشر المحبة، حيث قال:
“ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”
وأخبرنا بأن أتباع الأنبياء أهل السلام في الدنيا هم الذين يستحقون الفوز بـ (دَارِ السَّلَامِ) في الآخرة
عند ربهم، فكما عاشوا بقلوب مسالمة وألسنة طاهرة، كانت مكافأتهم في جنات النعيم.
وتحية الله لأهل الجنة السلام
(تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ).
وفي المقابل، نجد المسيح عليه السلام يضع السلام في مرتبة القداسة، منادياً بصناعته حتى في أحلك ظروف الصراع، قائلاً في موعظة الجبل:
“طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون”.
فالقرب من الخالق ممدود دائماً بحبل الإحسان إلى خلقه ونبذ الكراهية والنزاع.
ثانياً: معجزات الرفق ومداواة الأوجاع
وتتجلى عظمة الرفق والمحبة في المعجزات التي أجراها الله على أيديهم؛ فلم تكن معجزات قهر أو تخويف، بل كانت معجزات “مداواة” للأبدان والأرواح وتثبيتاً لليقين. يقول القرآن الكريم عن المسيح:
(وَإِذْ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي).
لقد كان المسيح يلمس مواضع الوجع فيشفى المريض بإذن الله، ويبث الأمل في النفوس المنكسرة، ليعلم البشر أن الدين جاء لإحياء الإنسان لا لإفنائه.
ومحمد ﷺ كان “رحمة مهداة”، ينهى عن ترويع الآمنين، ويأمر بالتعاطف والتراحم حتى في ساعة القوة، واصفاً مجتمع المحبة بقوله:
“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
ثالثاً: التكامل والتعارف.. حكمة الاختلاف
إن المحبة والسلام في هدي النبيين لا يعنيان انسلاخ أحد من دينه أو ذوبان الهويات،
بل هو تكامل إنساني عظيم تحت مظلة الحكمة الإلهية. إن الله غنيٌّ عن خلقه، فلا ينفعه إيمان المؤمنين ولا يضره كفر الكافرين،
فلو شاء الله لهدى الناس جميعاً بقدرته في لحظة واحدة:
(فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)،
ولكن الله خلقنا متفاوتين لنحقق غاية “التعارف” لا “التصادم”:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا).
فالتعارف هو الجسر الذي يعبر عليه الاحترام المتبادل، وهو الذي يحول البشرية من جزر منعزلة إلى كيان واحد يجمعه الهم الإنساني المشترك.
رابعاً: لو عرف الناس دعوتهما لانتفت الحروب
لو عرف الناس اليوم حقيقة ما جاء به محمد والمسيح، ولو استلهم القادة والمصلحون روح التسامح والصفح التي عاشا بها، لانتفت الحروب والآثام من هذه الأرض، ولتلاشى الجوع والعرى والحرمان، ولتوقفت صرخات اليتامى والمظلومين.
إن رسالتهما تدعوان لأن يعيش الناس كالجسد الواحد، يتعاطفون ويتراحمون ويتشاركون لقمة العيش ودفء الأمان.
إننا مدعوون اليوم لنبذ كل صوت يدعو للفتنة، والعودة إلى المنبع الصافي حيث المحبة هي الأصل، والسلام هو الطريق،
والإنسان هو الأخ للإنسان رغماً عن كل اختلاف في اللون أو العرق أو المعتقد.



