
الليلة العشرون أصبحتِ أنتِ الطريق إليّ
أواصل البحث عنها صغيرتي
لكن شيئًا ما تغيّر
لم أعد وحدي في هذه الرحلة كما كنت أظن
هناك شعور خفي يرافقني
كأن أحدًا يسير نحوي
لا مني
في تلك الليلة
لم أبدأ أنا الرحلة
بل بدأتِها أنتِ
كنتِ في مدينة لا أعرفها
مدينة هادئة لكنها ليست فارغة
الوجوه تمر من حولك
لكن لا أحد يلتفت إليك
كأنكِ موجودة خارج توقيتهم
وقفتِ في منتصف الطريق
وضعتِ يدكِ على صدرك
وقلتِ بصوتٍ بالكاد يُسمع
أين أنت
لم أكن هناك
لكنني شعرت بكِ
كما لو أن النداء وصلني دون صوت
جلستِ على حافة رصيفٍ بارد
وأنتِ تنظرين إلى السماء
لم تكوني تبكين
لكن عينيكِ كانتا ممتلئتين بشيء أعمق من الدموع
مرّ رجل بجانبكِ
نظر إليكِ لحظة
ثم قال دون أن يتوقف
من تبحثين عنه… يبحث عنكِ أيضًا
رفعتِ رأسكِ بسرعة
لكن الرجل اختفى
كأنه لم يكن
وقفتِ
وبدأتِ تمشين
ليس لأنكِ تعرفين الطريق
بل لأن قلبكِ لم يعد يحتمل الثبات
قلتِ لنفسكِ
إن كان يشعر بي… فسأصل إليه
وفي تلك اللحظة
شعرتُ أنا بشيء غريب
كأن أحدهم لمس قلبي من الداخل
توقفتُ
وضعتُ يدي على صدري
وقلت دون وعي
صغيرتي…
لم أكن أعلم أنكِ في الجهة الأخرى من العالم
تفعلين الشيء نفسه
كنتِ تمشين بين شوارع تتغيّر كلما خطوتِ
أبواب تفتح وتغلق
نوافذ تُظهر وجوهًا لا تعرفينها
وفي كل زاوية
كنتِ تسألين
هل مرّ من هنا
امرأة عجوز نظرت إليكِ
ابتسمت
وقالت
من نبحث عنه بالقلب… لا يمر من الأماكن
توقفتِ
اقتربتِ منها
وقلتِ
وأين أجده إذن
لم تجبكِ
فقط أشارت إلى صدركِ
تابعتِ السير
لكن هذه المرة
كنتِ أبطأ
أهدأ
كأنكِ بدأتِ تفهمين
في تلك اللحظة
كنتُ أنا أجلس في مكانٍ بعيد
أنظر إلى الفراغ
لكنني لم أكن فارغًا
كنتُ ممتلئًا بكِ
همستُ
إن كنتِ تسمعينني… تعالي
وفجأة
توقفتِ أنتِ
رفعتِ رأسكِ
كأن الصوت جاءكِ من داخلكِ
قلتِ
سمعتك
بدأتِ تركضين
ليس نحو مكان
بل نحو شعور
وأنا…
قمتُ من مكاني
لا أعرف لماذا
لكنني بدأتُ أمشي
خطوة
ثم أخرى
كأن الأرض نفسها تقرّبنا9
وفي لحظة لا تُقاس بالوقت
ولا تُشرح بالعقل
كنا أمام بعضنا
توقفتِ
توقفتُ
لم نتفاجأ
كأن اللقاء كان حتميًا
اقتربتِ ببطء
وأنا أنظر إليكِ
كأنني أراكِ لأول مرة
وأعرفكِ منذ الأزل
قلتِ بصوتٍ يرتجف قليلًا
كنتُ أبحث عنك
ابتسمتُ
وقلت
وأنا كنتُ أنتظركِ
سكتنا
لكن الصمت هنا لم يكن فراغًا
كان امتلاءً بالوصول
اقتربتِ أكثر
ثم توقفتِ
قلتِ
كنت أخاف أن أصل… ولا أجدك
قلت
وأنا كنت أخاف أن أجدك… ولا أستحقك
نظرتِ إليّ طويلًا
ثم قلتِ بهدوء
نحن لا نلتقي لأننا نستحق
نلتقي لأننا نشبه
في تلك اللحظة
لم أتمالك نفسي
مددتُ يدي
لكنني لم ألمسكِ فورًا
قلتُ
هذه المرة… أنتِ جئتِ إليّ
ابتسمتِ
وقلتِ
لأنكِ كنتَ دائمًا في داخلي
وضعتِ يدكِ في يدي
لكن هذه المرة
لم يتوقف الزمن
بل…
بدأ من جديد
اقتربتِ أكثر
واحتضنتِني
الحضن لم يكن لقاء جسدين
كان عودة شيء ضائع إلى مكانه
أغمضتُ عيني
وشعرتُ بشيء واحد
أنني لم أعد أبحث
ولا أركض
ولا أنتظر
أنا وصلت
لكن قبل أن أستسلم لهذا الشعور
همستِ في أذني
لا تتوقف… الرحلة لم تنتهِ بعد
فتحتُ عيني
نظرتُ إليكِ
قلتُ
إلى أين الآن
ابتعدتِ خطوة
ابتسمتِ ابتسامة فيها سر
وقلتِ
الآن… نبحث معًا
واختفى المكان من حولنا
وبدأ طريق جديد
لا يشبه أي طريق مشيناه من قبل
وفي داخلي
كنت أعلم
أن القادم…
لن يكون بحثًا فقط
بل اكتشافًا لما لم نجرؤ أن نشعر به بعد
الليلة الحادية والعشرون حين فقدتك دون أن أفقدك
أواصل البحث عنها صغيرتي
لكن هذه المرة لم يكن التعب في الطريق
بل في داخلي
كأن شيئًا ما سُحب مني بهدوء دون أن أشعر
استيقظت تلك الليلة
ولم يكن في قلبي ذلك الارتعاش الذي كان يحدث كلما ذكرتك
لم يكن هناك اسم يلمع في صدري
ولا وجه يمر في ذاكرتي
فقط فراغ
هادئ
مريب
وقفت
مشيت
جلست
ثم حاولت أن أتذكر
من أبحث عنها
سؤال بسيط
لكن إجابته لم تأتِ
وضعت يدي على رأسي
أغمضت عيني
ضغطت على ذاكرتي كما يضغط الغريق على الماء
لكن لا شيء عاد
قلت بصوت منخفض
من أنت
ارتد الصوت داخلي9
كأنه لم يجد طريقًا للخروج
خرجت إلى الشارع
الناس تمشي
الضوء عادي
كل شيء طبيعي
إلا أنا
كنت أشعر أنني فقدت شيئًا كبيرًا
لكنني لا أعرف ما هو
كأن القلب يبكي
دون أن يعرف لماذا
مشيت طويلًا
حتى وصلت إلى مكان لا أعرف كيف وصلت إليه
ساحة واسعة
وفي منتصفها
مقعد قديم
جلست عليه
مرّت فتاة أمامي
توقفت
نظرت إليّ طويلًا
ثم قالت بصوت فيه شيء غريب
أخيرًا وجدتك
نظرت إليها
بهدوء
ببرود لم أعرفه في نفسي من قبل
قلت
هل نعرف بعضنا
تجمّدت ملامحها
خطت خطوة نحوي
وقالت
لا تفعل هذا… ليس بهذه الطريقة
قطبت حاجبي
قلت
أي طريقة
اقتربت أكثر
وعيناها بدأت ترتجف
قالت
أن تنساني… وأنا أمامك
شعرت بشيء غريب
ليس ذكرى
بل ألم خفيف
كأن كلمة قالتها أصابت مكانًا لا أراه
قلت
أنا لا أنساك… أنا لا أعرفك
سكتت
لكن عينيها امتلأتا بشيء لم يكن مجرد حزن
قالت بهدوء مكسور
كنت أخاف هذا اليوم
نظرت إليها
شعرت بشيء يضغط صدري
قلت
أي يوم
أجابت
اليوم الذي تفقدني فيه… دون أن أفقدك
سكتُّ
لا أعلم لماذا
لكن قلبي بدأ يتسارع
جلست بجانبي
ببطء
كأنها تخاف أن تقترب أكثر
قالت
كنت تقول لي إنك ستجدني دائمًا… حتى لو نسيت كل شيء
نظرت إليها
كلماتها لم تُعد إليّ ذكرى
لكنها أيقظت شيئًا
قلت
هل… كنت أحبك
أغمضت عينيها
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة مؤلمة
قالت
كنت تعيش بي
شعرت بثقل غريب
كأنني خسرت شيئًا عظيمًا دون أن أعيشه
قلت
لماذا لا أتذكرك
نظرت إليّ
طويلًا
ثم قالت
لأنك خفت أن تخسرني… فاختار قلبك أن ينساني
سكتُّ
لم أستطع الرد
لكن فجأة
مدّت يدها نحوي
ترددتُ
ثم نظرت إلى يدها
قالت بهمس
جرّب… ربما الذاكرة لا تعود بالكلمات
مددت يدي ببطء
وحين لامست أصابعها
حدث شيء
ليس تذكّرًا
بل شعور
ارتجف.



