
الليلة الثامنة عشر قلبها الذي يسكنني
أواصل البحث عنها صغيرتي
لكن هذه المرة لم يكن الطريق شارعًا ولا مدينة ولا صحراء
كان شيئًا أعمق
كان اتجاهًا لا يُرى
كأن أحدهم همس لي من الداخل
إن كنت تبحث عنها حقًا… فادخلها
توقفت
لم أفهم كيف يدخل الإنسان قلب إنسان
لكنني شعرت بشيء يجذبني
ليس من يدي… بل من صدري
وكأن نبضًا ليس لي بدأ يقودني
أغمضت عيني
وفي لحظة لم أشعر فيها بقدمي ولا بجسدي
وجدتني واقفًا أمام باب غريب
ليس بابًا من خشب ولا حجر
بل باب من شعور
باب يرتجف كأنه حي
مددت يدي نحوه
وقبل أن ألمسه
سمعت صوتها
قالت بهدوء
لا تخف
هذا أنا
دفعت الباب
فانفتح ببطء
ودخلت
لم أدخل مكانًا
دخلت حالة
كان الضوء مختلفًا
ليس ضوء شمس
بل ضوء يشبه الحنين
ينبعث من الجدران نفسها
سرت خطوة
ثم أخرى
فإذا بي في ممر طويل
جدرانه ليست صامتة
كل جدار كان يعرض مشهدًا
اقتربت من أول جدار
فرأيت طفلة صغيرة
تركض
تضحك
ثم تتوقف فجأة
تنظر حولها وكأنها تبحث عن أحد
همست
صغيرتي…
سمعت صوتها خلفي
نعم… هذه أنا
حين كنت أضحك بلا خوف
التفت
فلم أرها
لكنني شعرت بها
قريبة جدًا
قلت
ولماذا توقفت؟
سكتت لحظة
ثم قالت
لأن أحدهم علّمني أن الفرح لا يدوم
واصلت السير
وقلبي أصبح أثقل
وصلت إلى باب آخر
مكتوب عليه دون كلمات
لكنني فهمت
هذه غرفة الخوف
دخلت
كان المكان مظلمًا قليلًا
والهواء باردًا
والصمت فيه له صوت
رأيتها هذه المرة
تقف في الزاوية
تحتضن نفسها
اقتربت ببطء
قلت
لماذا تقفين هنا وحدك؟
نظرت إلي
وعيناها تلمعان
ليست دموعًا فقط
بل تعب سنوات
قالت
هنا أختبئ… عندما يصبح العالم أكبر مني
مددت يدي نحوها
ترددت
ثم أمسكتها
ارتجفت
قلت بهدوء
أنا هنا
أغمضت عينيها
وسندت رأسها على صدري
كأنها وجدت أخيرًا مكانًا لا تخاف فيه
لكن فجأة
ابتعدت
قالت
لا تبقَ طويلًا هنا… ستتعب مثلي
ابتسمت
وقلت
إن كان هذا التعب هو ما عشته… فاسمحي لي أن أعرفه
سكتت…
ولأول مرة… لم تُعارض
خرجنا
سرنا معًا هذه المرة
لم تعد تختفي
كانت بجانبي
وصلنا إلى باب ثالث
وقفت
نظرت إلي
ثم قالت بصوت أخف من الهمس
هنا… لا أدخل أحدًا
قلت
ولماذا فتحتِه لي؟
نظرت في عيني
طويلًا
ثم قالت
لأنك لم تطرق الباب… أنت شعرت به
فتحته
دخلنا
كان المكان مختلفًا تمامًا
لا ظلام
لا خوف
لا ماضٍ
فقط ضوء دافئ
يشبه حضنًا طويلًا
وفي وسط الغرفة
كان هناك شيء واحد
نبض
اقتربت
وكل خطوة كانت تجعل صدري يرتجف
قلت
ما هذا؟
قالت
هذا المكان الذي أضع فيه من أحب
توقفت
لم أستطع التقدم أكثر
سألتها بصوت مكسور قليلًا
وأنا… أين أنا هنا؟
اقتربت
وضعت يدها على صدري
ثم همست
أنت هنا… قبل أن تصل
في تلك اللحظة
لم أفهم إن كنت داخل قلبها
أم هي أصبحت داخل قلبي
اختلطت الأشياء
اختفى المكان
واختفى الطريق
لم يبقَ إلا شعور واحد
أننا لم نعد شخصين
بل نبضًا واحدًا
تعلم أخيرًا
كيف لا يخاف
وقبل أن يختفي كل شيء
همست لي
الآن… عندما تخرج
لن تبحث عني كما كنت
لأنك عرفت الطريق
فتحت عيني
عدت
لكنني لم أعد كما كنت
وفي صدري…
كان هناك باب
يشبه بابها تمامًا
ولم أجرؤ بعد…
أن أعرف إلى أين سيقودني في الليلة القادمة….
— الليلة التاسعة عشر:
حين توقّف الزمن بين يدين
أواصل البحث عنها صغيرتي
لكنني لم أعد أمشي كما كنت
منذ أن خرجت من قلبها وأنا أحمل شيئًا لا يُفسَّر
كأن الطريق لم يعد خارجًا
بل صار ينبض في صدري
كنت أمشي في مدينة لا أعرف اسمها
لا أبواب فيها ولا نوافذ
البيوت كأنها تنتظر شيئًا
والهواء ساكن كأنه حبس أنفاسه منذ زمن
ناديتك بصمت
صغيرتي
لم يجبني أحد
لكن قلبي تسارع
كأنه سمعك
خطوة أخرى
ثم توقفت فجأة
كنتِ هناك
لم تأتِ من طريق
ولم تظهري من زاوية
كنتِ ببساطة… موجودة
تنظرين إلي
بنظرة لا تشبه اللقاء الأول
ولا الغياب
بل شيئًا بينهما
كأنك تعرفين ما سيحدث بعد لحظة
اقتربت ببطء
وأنا أشعر أن المسافة بيننا ليست خطوات
بل عمر كامل
قلت لك بصوت خافت
تعبت من البحث عنك
ابتسمتِ
ابتسامة صغيرة
لكنها هزّت شيئًا عميقًا في داخلي
وقلتِ
وأنا تعبت من الاختباء فيك
لم أفهم
لكنني لم أسأل
مددت يدي نحوك
كنت أرتجف
ليس خوفًا
بل لأن شيئًا في داخلي كان يعرف
أن هذه اللمسة… لن تكون عادية
وقبل أن تلامس أصابعنا
توقّف كل شيء
الهواء تجمّد
الصوت اختفى
حتى الضوء لم يعد يتحرك
لم أسمع المدينة
لم أسمع نفسي
فقط
سمعت نبضًا واحدًا
حين لمستُ يدك
لم يكن مجرد لمس
كان عبورًا
كأن الزمن نفسه انسحب بهدوء
وتركنا وحدنا داخل لحظة لا نهاية لها
نظرتِ إلي
وعيناكِ لم تعودا تنظران إليّ فقط
بل كأنهما تراني… من الداخل
قلتِ بهمس
هل تشعر به؟
أجبتك
كأنني كنت أنتظر هذا السؤال منذ عمر
نعم… كأن كل ما عشته كان يقودني لهذه اللحظة
اقتربتِ أكثر
حتى أصبح وجهك قريبًا من وجهي
ويدك لا تزال في يدي
قلتِ
هنا… لا يوجد ماضٍ
ولا غياب
ولا خوف
سألتك
وأين نحن؟
ابتسمتِ
وقال صوتك بهدوء
نحن داخل اللحظة التي لم نعشها من قبل
سكتنا
لكن الصمت هنا لم يكن فراغًا
كان امتلاءً
كان كلامًا لم نحتج أن نقوله
جلستِ
وجذبتِني معك
جلسنا على أرض لا أعرفها
لكنها شعرتني بالأمان
وضعتِ رأسك على كتفي
ويدك لا تزال في يدي
قلتِ
هل تعرف لماذا يتعب القلب؟
أجبتك
لأنه ينتظر أكثر مما يُعاش
هززتِ رأسك
وقلتِ
لا…
لأنه يخاف أن يعيش ما يتمناه
نظرت إليك
طويلًا
قلت
وأنتِ… هل خفتِ؟
أغمضتِ عينيك لحظة
ثم قلتِ
كنت أخاف أن أصل إلى هذه اللحظة… ولا أجدك
شددت على يدك
وقلت
وأنا كنت أخاف أن أصل إليك… ولا أعرف كيف أبقى
ابتسمتِ
لكن هذه المرة… كانت ابتسامة فيها شيء من الحزن الجميل
قلتِ
البقاء لا يُتعلَّم… يُشعَر
سكتنا من جديد
لكن فجأة
بدأ شيء يتغير
الضوء ارتجف
الهواء تحرك ببطء
كأن الزمن بدأ يتذكرنا
نظرتِ إلي بسرعة
وقلتِ
لا… ليس الآن
أمسكتِ يدي بقوة أكبر
كأنك تحاولين تثبيت اللحظة
قلت لك
ابقَي
قالت بصوت مكسور قليلًا
لا أستطيع… الزمن لا يسمح لنا بالبقاء طويلًا هنا
قلت
وأنا؟
نظرتِ إلي
بعينين ممتلئتين بشيء لم أعرف اسمه
وقالت
أنت ستبقى… في هذه اللحظة
اقتربتِ أكثر
ثم همستِ
كلما لمست يدك شيئًا بصدق… ستعود إلي
ثم…
اختفيتِ
لكن يدك لم تختفِ بالكامل
بقي أثرها
دفء خفيف
كأنه وعد
عدت أسمع الصوت
عدت أرى المدينة
عاد الزمن يتحرك
لكنني لم أعد كما كنت
رفعت يدي
نظرت إليها طويلًا
وكأنها تحمل سرًا لا يُقال
ومنذ تلك اللحظة
فهمت شيئًا واحدًا
أن بعض اللقاءات
لا تعيش في الزمن
بل
توقفه… لتُخلّد نفسها داخلك
وفي تلك الليلة
لم أعد أبحث عنها في الطرق
بل
في كل لمسة صادقة… تشبهها
وأنا أعلم الآن
أنها
ستعود
لكن ليس عندما أراها
بل
عندما أشعر بها… من جديد..



