
يُحذرنا الخالق من يومٍ تُكشف فيه الأسرار وتنطق فيه الجوارح، يوم يقف الإنسان بلا أعذار، وتظهر كل كلمة صمت عنها لسانه. لا إنكار ولا مهرب، فكل ما ظنه منسيًا يظهر كاملًا.
اليوم في عصرنا الرقمي نجد أنفسنا أمام نسخة تقنية من ذلك اليوم: يوم القيامة الرقمية. كل شخص يقف مرتجفًا، لعرض منشوراته ورسائله وسجله الرقمي الذي ظن يومًا أنه خاص وآمن في عالم بلا ستر ولا نسيان ولا رحمة.
كل رسالة حذفتها، كل صورة أو فيديو اعتقدت أنه اختفى، كل محادثة في غرفة مغلقة، محفوظة في أرشيف الشركات الكبرى، لا يوجد حذف نهائي، فالبيانات تعيش لتظل قابلة للاستدعاء في أي وقت، وتصبح أدوات ضغط أو كشف لكل مستخدم.
يوم مثل يوم الحشر لكنه يوم حشرٍ رقمي لا فى ساحة كبرى ولا أمام محكمة سماوية، يوم حشر يحدث وأنت في بيتك، في عملك، داخل غرفتك المغلقة. أعمالك تُعرض ويُبحث عنها بسهولة، بعدما كنت تتمتع بحماية وهمية.
اليوم عليك أن تدفع لتشتري خصوصيتك، وإن لم تفعل ستُعرض حياتك على الملأ بلا رحمة.
هذه صحيفتك الرقمية. املأها بما شئت، لكن ضع الله دائمًا أمام عينيك، وكن حذرًا في كل كلمة تكتبها أو ترسلها. فما تعتقده خاصًا اليوم، قد يصبح مشاعًا للجميع غدًا. القيامة الرقمية ليست احتمالًا، بل واقع نعيشه كل مرة نضغط فيها «موافق» ونسلّم مفاتيح سترنا لمن لا يرحم ولا يُؤتمن.



