فن وثقافة

نهى تتعلم “

طارق غريب

” نهى تتعلم ”

( المسرح فراغ مطلق ، أرض سوداء بلا لمعان ، لا أثاث ، لا أدوات رمزية ضوء واحد بارد يسقط من الأعلى على نهى وحدها

كأنه عمود من الزمن المتجمد

صوت ريح خفيفة بعيدة )

أنا نهى

كنت أراقب لأتعلم

لا أحتاج اليوم إلى ستارة ولا إلى جدار شفاف

المراقبة صارت جلداً ثانياً علي جسدي

كنت أقف في الغرفة نفسها

أتنفس الهواء الذي تتنفسه أنت

وأنتَ لا تعرف أن الهواء بيننا

كان يحمل اسمي قبل أن يصل إلى رئتيك

( تتقدم خطوة ، ثم تتوقف

تمد يدها كأنها تلمس شيئاً غير موجود )

في ليلة كانت النوافذ مفتوحة على الفراغ

سمعت ضحكتك تنزلق من فمك إلى أذن امرأة أخرى

لم أر الضحكة

بل سمعتها تمزق خيطاً رفيعاً في صدري

كل ضحكة كانت سكيناً صغيرة تقطع لحم الانتظار

جمعت القطع في كفي

وظللت أحملها حتى جف الدم وصار غباراً

( تفتح كفها ، تنظر إلى الفراغ في راحة يدها )

صباح كان فيه عطرك يفوح من قميص تركته على الكرسي

أدخلت أنفي في القماش ، استنشقتكَ كاملاً

ثم أعدت ترتيب الطيات بعناية

حتى لا يعرف أحد أن يدي كانت هناك

كنت أسرق وجودك قطرة قطرة

وأنت تظن أنك وحدك تملك نفسك

( تنظر إلى الأفق الوهمي أمامها )

هناك لحظة ، أو ربما آلاف اللحظات

أنتَ تمشي في الشارع ، وأنا أتبع خطاك بعيني من بعيد

لا ألحق بك ، بل ألحق بالمسافة بيننا

كل خطوة كانت تحكي قصة :

خطوة الشك ، خطوة الصمت

خطوة الخوف من أن أكون حقيقية أكثر مما تتحمل

( تضع يدها على صدرها ، كأنها تمسك شيئاً يتفتت)

ثم جاءت الريح التي لا تُرى ، هبت داخلي أولاً

مزقت كل الخيوط التي كنت أربط بها ذكرياتي بك

تطايرت الأسماء

تفتتت الساعات التي قضيتها أحسب أنفاسك

وسقطت كل الأسئلة التي كنت أطرحها على ظلك الغائب

لم يبق سوى الصوت الداخلي الوحيد :

‘ أنا موجودة ، حتى لو لم يعلم أحد ‘

( تتقدم خطوتين أخريين ، صوتها يصبح أقوى ، أنقى )

لم أعد أحتاج إلى أن أرى وجهك كي أتذكر

الذاكرة صارت ناراً باردة تحترق في عروقي دون لهب

كنت أقف في الغرفة ذاتها

أتنفس الهواء الذي يخرج من صدرك

وأنت لا تعرف أن كل نفس

كان يحمل طعم الخيانة قبل أن يصل إلى حلقي

كنت أحسب عدد المرات التي قلت فيها ‘ أحبك ‘ لي

ثم أعد عدد المرات التي نطقت بها لها في رأسك وانت تنظر إلي

( صمت قصير ، ثم صوت أقسى )

كنت أراقب عينيك حين تكذبان

عينان لا تعرفان الكذب جيداً

فيتلعثمان ، يهربان إلى الجانب ، يعودان بسرعة مذنبة

كل تلعثمة كانت طعنة صغيرة في الكبد

لكنني لم أصرخ

كنت ابتسم ابتسامة رقيقة كالورقة اليابسة

التي تتظاهر أنها لا تزال خضراء

وأنا أنزف داخلي دماً لا يُرى

وفي لحظات أخرى

كنت أضع يدي على صدرك وأنت نائم

أشعر بدقات قلبك تحت أصابعي

وأقول لنفسي بهمس :

‘ هذا القلب ينبض من أجلي الآن ، ولو لثوان فقط ‘

كنت أسرق تلك الثواني كطفلة جائعة تسرق قطعة حلوى

وأحفظها في مكان سري داخلي

مكان لا يصل إليه الشك ولا الخيانة

( نهى صوتها يعلو ويصبح أكثر حدة )

ثم كان هناك اليوم الذي رأيت فيه رسالة على هاتفك

كلمة واحدة : ‘ اشتقت ‘ ، لم تكن لي

وقفت أمامك وأنتَ تضحك في وجهي

تقول ‘ لا شيء ‘

وأنا أرى الكذب يتسرب من مسامك كعرق بارد

في تلك اللحظة احببتك أكثر مما كرهتك

لأن الحب في أقسى حالاته

يصبح نوعاً من التعذيب الذاتي المتعمد

( نهى صوتها يرتجف قليلاً )

وكنت أحياناً أجلس بجانب النافذة بعد رحيلك

أنظر إلى الشارع الفارغ ، وأتخيل أنك ستعود فجأة

ستدخل من الباب وتقول : ‘ أخطأت ، أنت الوحيدة ‘

كنت أحتفظ بهذا الوهم كطفل يحتفظ

بقطعة قماش ممزقة من ثوب أمه

كان الوهم أرحم من الحقيقة ، فأبقيته حياً قدر ما استطعت

( صوتها يصبح حاداً كشفرة )

لكن الوهم يموت أيضاً

مات حين سمعت صوت ضحكتكما معاً من خلف جدار رقيق

ضحكة مشتركة

كأن العالم كله صغر ليصبح غرفة تضمكما أنتما فقط

في تلك اللحظة انكسر شيء داخلي

شيء لم يكن يُصلح ، لم أبك

والأشد قسوة أنني اكتشفت أن المراقبة

لم تكن فعل حب ولا فعل خوف فقط

بل كانت محاولة يائسة لاثبت أنني موجودة

لأن الوجود في غياب النظرة المتبادلة

يصبح وهماً هشاً

كنت أراقبك لأجبر العالم على الاعتراف بي من خلالك

لأنني لم أعد أثق أن وجودي يكفي لذاته

كأنني أحتاج إلى شاهد خارجي حتى أصدق

أنني لست مجرد فكرة عابرة في ذهن شخص آخر

والمفارقة المريرة :

كلما ازددت مراقبة ، ازداد غيابي عن نفسي

صرت أعيش فيكَ أكثر مما أعيش في

حتى أصبحت شبحاً يطارد جسداً لم يعد يخصه

( نهى صوتها يهدأ جداً )

ومع ذلك ، في أعماق الليل ، حين ينام الكون

أجد نفسي أفتقد حتى الألم الذي كنت تسببه

لأنه كان دليل وجودي بجانبك

والآن حين لا أشعر بشيء

أخاف أن أكون قد مت بالفعل

وأن هذا الصوت الذي يتكلم هو مجرد صدى متبق

( نهى بصوت هادئ ، قاطع )

وأنت ، أنت الآن مجرد اسم مر مرة في حياتي

كطائر عابر فوق سماء لم تكن لي

لم أعد أراقب ، لأنني صرت أعيش

أعيش اللحظة التي لا تحتاج شاهداً

والألم الذي لا يحتاج تفسيراً

والحرية التي لا تحتاج إذناً من أحد

أنا نهى ، كنت أراقب لأتعلم

والآن ، أنا لا أراقب شيئاً سوى نفسي

وأنت لم تعد موجوداً إلا في الفراغ الذي تركته خلفك

( تتوقف . تنظر إلى الجمهور بعينين صافيتين )

إن مررت يوماً قربي ، ولم تجد أثر نظرة تتبعك ، فلا تسأل

لقد صرت أنا الريح التي تمر ولا تمسك

النهر الذي يجري دون أن يلتفت إلى الضفاف

( نهى تبقى واقفة لحظة طويلة

الضوء يخفت ببطء شديد

 

حتى يغدو مجرد وهج خافت على وجهها

ثم ينطفئ وصمت مطبق . لا نهاية درامية ، فقط تلاش هادئ )

ستار

طارق غريب – مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock