
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودي إلى القاهرةفي توقيت إقليمي بالغ الحساسية ، لتؤكد من جديد أن العلاقات المصرية-السعودية لم تكن يومًا رهينة المجاملات الدبلوماسية، بل شراكة استراتيجية راسخة، تتحرك وفق حسابات المصالح الكبرى واستقرار الإقليم بأكمله.
تحمل الزيارة أبعادًا سياسية واستراتيجية واضحة، تعكس إدراك القيادتين في مصر والسعودية لخطورة المرحلة الراهنة.
فالتطورات المتسارعة في الإقليم، من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى البحر الأحمر، تفرض تنسيقًا عالي المستوى بين القوتين العربيتين الأكبر تأثيرًا.
الرسالة الأساسية للزيارة أن القاهرة والرياض تتحركان كـ«غرفة عمليات سياسية» واحدة في الملفات المصيرية، وليس كطرفين منفصلين يلتقيان عند الضرورة فقط.
أهداف الزيارة تتجاوز إصدار بيانات دعم متبادلة، إلى تنسيق فعلي في ثلاث دوائر رئيسية ، الدائرة الإقليمية: بحث سبل احتواء التصعيد في المنطقة، ووقف نزيف الصراعات المفتوحة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي تمثل أولوية مشتركة لا تقبل المساومة.
الدائرة الأمنية: تعزيز التعاون في أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، في ظل التهديدات المتزايدة التي تمس الاقتصاد العالمي والأمن القومي العربي.
الدائرة الاقتصادية والسياسية: تأكيد التكامل بين رؤية مصر التنموية ورؤية السعودية 2030، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي كمدخل أساسي للاستقرار السياسي.
توقيت الزيارة لا يقل أهمية عن مضمونها ، فهي تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة محاولات لإعادة ترتيب النفوذ، وفرض وقائع جديدة بالقوة أو عبر صفقات تتجاهل مصالح العرب.
الزيارة تحمل رسالة واضحة مفادها أن القاهرة والرياض حاضرتان بقوة، وأن أي ترتيبات إقليمية لا تمر عبرهما مصيرها الفشل أو الاضطراب.
من المتوقع أن تترجم الزيارة إلى: تنسيق سياسي أعمق في الملفات الساخنة و تحركات مشتركة أكثر فاعلية على الساحة الدولية ، تعزيز الثقة في استقرار المنطقة، بما ينعكس على الاقتصاد والاستثمار.
الأهم أن الزيارة تعيد التأكيد على أن العلاقات المصرية-السعودية هي صمام أمان عربي، كلما اشتدت الأزمات، ظهر دورها الحقيقي.
أرى أن زيارة وزير الخارجية السعودي إلى مصر ليست زيارة مجاملة ولا محطة عابرة، بل خطوة محسوبة في معادلة إقليمية معقدة.
فحين تتلاقى القاهرة والرياض، تتراجع مساحات الفوضى، ويعلو صوت العقل العربي.
في زمن الارتباك الإقليمي، تبقى هذه الشراكة أحد آخر أعمدة الاستقرار، ورسالة طمأنة لشعوب المنطقة، وتحذير صريح لكل من يراهن على تفكيك الصف العربي.
القاهرة والرياض… حين يتحدث الثقل، يصمت العبث.



