
قراءة تحليلية
تفتح الألعاب الافتراضية أبوابا واسعة لنشوة القفز والفرح؛ تصفيق افتراضي، هتافات مبرمجة، وعبارة جاهزة تتكرّر، لقد فزت. ينتقل اللاعب من مرحلة إلى أخرى محمولا على شعور البطولة، محاطا بإحساس القوة والذكاء والتميّز. ومع كل انتصار، يشتعل الدماغ بإفراز هرمونات السعادة، فتترسّخ الرغبة في الاستمرار، ويتحوّل التقدّم الرقمي إلى وهم إنجاز مبهر، يكتمل داخل الشاشة ويُتوّج خارجها بالفراغ.
في الجهة الأخرى، يقف العالم الواقعي، خافت الإيقاع، فقيرا في الإشارات. كل الجهود اليومية تمرّ دون احتفاء، والنجاحات الصغيرة تعبر بلا تصفيق. هنالك يبدأ الميزان بالاختلال؛ إذ يتعلّق الوعي والإدراك بعالم يمنحه الاعتراف الفوري والاستجابة السريعة والمكافأة المضمونة، ويترك عالما لا يلتفت أحد منهم لجهوده، لا أحد يهنئه، لا أحد يراه أو يطالبه بالصبر والوصول إلى الهدف على مهل. فيتشدّد الانتباه نحو عالم جميل افتراضي، فينفصل تدريجيا عن الواقع المحيط به، وتتشكّل مسافة نفسية بين الفرد وحياته الملموسة.
هذا الانغماس العميق في الألعاب الافتراضية قد يشكل تهديدا حقيقيا للتوازن النفسي والاجتماعي للأطفال، لأنه يُعوّد الدماغ على المكافأة الفورية، ويبعده عن مواجهة تحديات الحياة الواقعية.
فتضعف القدرة على تحمّل الإحباط، وتتراجع مهارات الصبر وبناء العلاقات. ومع الزمن، تتبدّل معايير النجاح، ويغدو الإنجاز مرهونا بزرّ مضيء في ساعة العالم الافتراضي.
المكافآت الوهمية، أثناء اللعب، والمتجسّدة في جوائز زائفة، والتشجيع القائم على ادعاء النصر المنشود، ما هي سوى محفّزات مختلقة تُعيد تشكيل وعي الطفل على نحو مضلّل. إنها تشتّّت انتباهه وتُبقيه عالقا في منحنى اللاوعي، حيث يُزرع فيه الاعتقاد بأن راحته توجد حيث يتوّج بالنجاح الدائم والانتماء يكمن لدى من يصفّقون لإنجازاته الافتراضية، ويحتفون بذكائه النادر داخل لعبة إلكترونية مدمجة، لا نهاية حاسمة لها إلا باستمرار النصر ذاته.
فيستنزف عقل الطفل قطرة بعد قطرة، حتى يهوِي به هذا الوهم إلى انفصال تدريجي عن الواقع، ثم إلى فقدان الشغف بعالمه الأصلي، عالمه الإنساني الحيّ، إلى أن يتآكل ارتباطه بالأسرة، وينطفئ حضوره الحقيقي، ويغدو غريبا عن دفء العائلة، مقيما في عالم لا يمنحه سوى انتصار مؤقت ومرض نفسي مميت.
ولا سبيل لدرء الخطر إلا بحرمان الطفل كليا من القدرة على الوصول إلى اللعبة، مهما بلغت الكلفة، ودون أدنى تهاون أو تقليل من جسامة العواقب.



