
كثير منا يعيش حياته وهو مقتنع بفكرة النجاة الفردية فكرة أنك مطالب بأن تحارب وحدك وتتجاوز أوجاعك وحدك وتصل إلى بر الأمان وحدك كأن الحياة غابة لا ينجو فيها إلا من يشق طريقه بسيفه دون أن يلتفت حوله هذا الإحساس الذي يمكن أن نسميه وهم النجاة الفردية يجعل الإنسان يعزل نفسه ويظن أن ألمه حالة استثنائية وأن لا أحد قادر على فهم ما يمر به
الفلسفة الحديثة وخاصة الوجودية عند مارتن هايدغر تحدثت عن مفهوم الوجود في العالم أو دازاين وأكدت أن الإنسان لا يوجد في فراغ بل يوجد دائما في سياق ومع آخرين نحن لسنا جزر معزولة بل كائنات تتشكل هويتنا عبر علاقاتنا وتفاعلنا مع غيرنا وهم النجاة الفردية يدفعنا إلى فخ الأنا المنعزلة التي ترى في طلب المساندة ضعفا وفي مشاركة الألم انكشافا غير مرغوب فيه فنرفع الأسوار حول قلوبنا وننزف في صمت ونحسب أن هذا هو معنى القوة
غير أن الطبيعة الإنسانية تكشف عكس ذلك فالإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلى الآخر ليعيش ويحتاج إليه ليفهم نفسه أيضا الألم مثل الفرح يطلب المشاركة وعندما نحاول أن ننجو بمفردنا نفقد جزءا من إنسانيتنا ونحرم أنفسنا من طاقة الدعم التي يمكن أن تسرع رحلة التعافي
هنا يظهر دور العلاج الجماعي أو ما يعرف بالـ Group Therapy حيث يجلس الفرد وسط مجموعة من الأشخاص يحمل كل منهم قصة وصراعا وتجربة مختلفة في البداية قد يشعر المرء بالغربة أو يعتقد أن معاناته مختلفة لكن مع مرور الوقت يبدأ في اكتشاف التشابه الإنساني العميق يرى في عيون الآخرين الخوف ذاته والحيرة ذاتها والوجع ذاته فيدرك أن التجربة التي ظنها عبئا شخصيا هي جزء من خبرة إنسانية مشتركة
الطبيب النفسي الشهير إرفين يالوم أحد أبرز رواد العلاج الجماعي تحدث عن مبدأ الشمولية الذي يعني أن إدراك الفرد لوجود آخرين مروا بتجارب مشابهة يمنحه شعورا بالانتماء ويكسر جدار العزلة عندما يرى الإنسان أن غيره تعثر ثم نهض وأن الألم لم يكن نهاية الطريق بل بدايته يتولد لديه أمل حقيقي في إمكانية الشفاء
في جلسات العلاج الجماعي لا يشاهد الفرد ألم الآخرين فقط بل يشهد أيضا مراحل تعافيهم يتعلم كيف يواجهون مخاوفهم وكيف يعبرون عن مشاعرهم وكيف يساند بعضهم بعضا هذا التفاعل يمنح خريطة عملية للتعامل مع الذات ويؤكد أن الشفاء ليس معركة فردية بل رحلة تشاركية نتقوى فيها ببعضنا البعض
الخلاصة أن النجاة الحقيقية لا تعني أن تعبر العاصفة وحدك بل أن تسمح للآخرين أن يكونوا معك فيها أن تمد يدك وأن تقبل الأيدي الممدودة إليك القوة لا تكمن في العزلة بل في الاتصال الإنساني وهم النجاة الفردية قد يجعل الإنسان يبدو صلبا من الخارج لكنه يتركه وحيدا من الداخل أما الحقيقة الأعمق فهي أننا في مركب واحد وأن النجاة إما أن تكون جماعية أو لا تكون
ويبقى السؤال الأهم ماذا يمكن أن يتغير في رحلة شفائك إذا سمحت لنفسك بأن تعترف أنك لست وحدك وأن ألمك ليس ضعفا بل تجربة إنسانية يشترك فيها الكثيرون وربما تكون بداية طريق نحو تواصل أصدق وشفاء أعمق



