دين ومجتمع

ياليتني كنت ترابًا”… صرخة الإنسان بين الندم والحقيقة الكبرى

بقلم نيفين صلاح

 

 

في لحظةٍ تختزل ضعف الإنسان أمام مصيره المحتوم، يرد التعبير القرآني العميق: “يا ليتني كنت ترابًا”، كما جاء في القرآن الكريم، في سورة سورة النبأ. عبارة قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، تختصر مشهدًا مهيبًا من مشاهد يوم القيامة، حين يواجه الإنسان حصيلة أفعاله، فيتمنى لو لم يكن شيئًا مذكورًا.

مشهد تتجسد فيه الحقيقة

تأتي الآية في سياق الحديث عن أهوال يوم الفصل، اليوم الذي تُعرض فيه الأعمال ويُجزى كل إنسان بما قدّم. وحين يرى الكافر ما أعدّ له من حسابٍ وعقاب، ينطق بهذه الأمنية القاسية: أن لو كان ترابًا، بلا تكليف ولا حساب. إنها ليست مجرد كلمات ندم، بل اعتراف متأخر بحقيقةٍ طال إنكارها.

المفسرون يرون في هذه العبارة ذروة الحسرة؛ إذ يتمنى الإنسان العدم هربًا من المصير، بعد أن ضيّع فرصة العمل في الحياة الدنيا. فالتراب هنا ليس مجرد عنصر مادي، بل رمز لانعدام المسؤولية، وانتهاء القصة قبل أن تبدأ.

بين البلاغة والوجدان

بلاغيًا، تحمل الجملة قوة تصويرية لافتة. فالتمني بـ”ليت” يفيد استحالة التحقيق، ما يعمّق الإحساس باليأس. أما اختيار “ترابًا” تحديدًا، فيستحضر أصل الخلق ومآل الجسد، في دورةٍ تبدأ من الأرض وتنتهي إليها. وهنا تتجلى المفارقة: الإنسان الذي خُلق من تراب، يتمنى في النهاية أن يعود ترابًا بلا بعث.

هذا التركيب الموجز يعكس إحدى سمات البيان القرآني؛ كثافة المعنى في أقل الألفاظ، وتأثير وجداني يتجاوز حدود اللغة إلى أعماق النفس.

أبعاد إنسانية تتجاوز الزمان

رغم ارتباط الآية بسياق عقدي محدد، فإن دلالتها الإنسانية أوسع. فكم من إنسانٍ يردد المعنى ذاته — وإن بصيغ مختلفة — حين يداهمه الندم بعد فوات الأوان؟ في لحظات الانكسار الكبرى، يتمنى البعض لو لم يتخذ قرارًا معينًا، أو لو لم يسلك طريقًا قاده إلى خسارة. غير أن الفرق الجوهري أن الندم في الدنيا قد يُصلح بخطوة جديدة، أما هناك فلا رجعة.

رسالة مفتوحة للحياة

إن عبارة “يا ليتني كنت ترابًا” ليست دعوة لليأس، بل تحذير مبكر قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه التمني. إنها دعوة للمراجعة، للمساءلة الذاتية، ولإدراك أن كل فعل — صغيرًا كان أم كبيرًا — محفوظ في سجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

وبين التراب بدايةً ونهاية، تبقى حياة الإنسان فرصة فريدة، إما أن ترفعه درجات، أو تتركه أسير حسرةٍ أبدية. فهل نقرأ العبارة كمشهدٍ بعيد، أم كنداءٍ قريب يوقظ الضمير قبل أن يتحول التمني إل

ى قدر لا يُرد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock