
في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن بدء خطوات عملية نحو إنشاء دولة مستقلة في جنوب البلاد، في خطوة تعيد إلى الواجهة سيناريوهات الانقسام والتفكك، وتطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل اليمن الموحد، وانعكاسات هذا التحرك على أمن البحر الأحمر، والمصالح الاستراتيجية لدول الإقليم وفي مقدمتها مصر.
إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن فصله عن تراكمات سنوات من الصراع، وتراجع سلطة الدولة المركزية، وتعدد مراكز القوة المسلحة. فالجنوب، الذي كان دولة مستقلة حتى عام 1990، ما زال يحمل ذاكرة سياسية وهوية خاصة، استثمر فيها «الانتقالي» لتقديم نفسه ممثلًا وحيدًا لطموحات الجنوبيين.
داخليًا، تعني هذه الخطوة: تعميق الانقسام بين الشمال والجنوب، وفتح الباب أمام صراعات جديدة داخل الجنوب ذاته بين قوى وقبائل مختلفة ، إضعاف الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، وتقويض أي مسار سياسي شامل لإنهاء الحرب ، إعادة إنتاج الفوضى بدلًا من بناء دولة، في ظل غياب مقومات اقتصادية وأمنية واضحة لدولة جنوبية قابلة للحياة.
خارجيًا، لا يمكن قراءة إعلان “الانتقالي” بمعزل عن صراع المصالح الإقليمية في اليمن، الذي تحوّل إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. فقيام دولة جنوبية مستقلة قد يخدم أطرافًا ترى في يمن ضعيف أو مجزأ فرصة لتعزيز نفوذها على الموانئ والجزر والممرات البحرية.
كما أن هذه الخطوة: تربك جهود الأمم المتحدة ومساعي التسوية السياسية ، تفتح شهية قوى دولية للتدخل تحت عناوين حماية الملاحة أو مكافحة الإرهاب ، تشجع نزعات انفصالية في دول أخرى تعاني هشاشة سياسية، ما يجعلها سابقة خطيرة في الإقليم.
يمثل البحر الأحمر أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وأي اضطراب على ضفتيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ومع سيطرة قوى غير مركزية على أجزاء من الساحل اليمني، فإن إعلان كيان سياسي جديد في الجنوب يضيف عامل عدم استقرار جديد.
وتتعدد المخاطر المحتملة لهذا الاعلان و تشمل: تعدد مراكز القرار الأمني على السواحل والموانئ ، إمكانية استغلال الفوضى من قبل جماعات مسلحة أو قوى إقليمية لتهديد الملاحة ، تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوح بدلًا من ممر آمن للتجارة والطاقة.
مصر، بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي، ليست بعيدة عن تداعيات المشهد اليمني ، فأي تهديد لأمن البحر الأحمر وباب المندب ينعكس مباشرة على قناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.
التأثيرات المحتملة على مصر تشمل مباشرًا: أي اضطراب في الملاحة قد يقلل من حركة السفن عبر القناة، ويرفع كلفة التأمين والشحن.
غير مباشر: تصاعد الصراعات الإقليمية بما يفرض أعباء أمنية وسياسية إضافية على القاهرة، ويهدد الاستقرار في محيطها الاستراتيجي.
ولهذا، تظل مصر من أكثر الدول تمسكًا بوحدة اليمن، ورافضة لأي سيناريوهات تقسيم تمس أمن المنطقة ككل.
إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي قد يبدو للبعض حلًا لأزمة مزمنة، لكنه في الحقيقة يفتح أبوابًا أوسع للفوضى.
فالدول لا تُبنى بإعلانات أحادية في ظل السلاح والانقسام، بل بتوافق وطني شامل يحفظ وحدة الأرض ويعيد للدولة مؤسساتها.
اليمن اليوم أمام مفترق طرق: إما دولة موحدة قوية قادرة على حماية شعبها وممراتها البحرية، أو كيانات متناحرة تدفع ثمنها المنطقة بأكملها. وفي الحالتين، يبقى البحر الأحمر خطًا أحمر، وأمنه جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربى وعلى رأسه الأمن القومي المصري.



