
ثبتُّ فلم تهزِزْ خطايَ شُبوهُهُمْ
ولا راعني شكٌّ، ولا مسَّني قَلَقْ
فمن عرفَ المعنى استراحَ من المدى
وصارَ لهُ الدورانُ عينَ الأُفُقْ
رأيتُ الطريقَ يدورُ لا عبثًا
ولكن لأنَّ الحقائقَ لا تُسْتَبَقْ
ومن حسبَ السيرَ خطًّا ضلَّ مقصدًا
لأنَّ الوصولَ تجلٍّ لا يُلْتَحَقْ
تدورُ الوجوهُ، والخطى متشابهاتُ
وكلٌّ يُسمّي ظنَّهُ ما اتّفَقْ
وما فرّقَ الناسَ إلا قلوبُهُمُ
فمِنها الذي يثبتُ، ومنها احترقْ
رأيتُ الشرارَ بقايا صدامِ هوى
إذا التقتِ الأوهامُ اشتدَّ الفِرَقْ
فما نالَ سرَّ الحقيقةِ من قهرَها
ولا أدركَ المعنى الذي منهُ هربْ
ولكن مَنِ اسقطَ عنهُ التعينَ كلَّهُ
رأى الحقَّ صرفًا، لا يُحاطُ، ولا يُحْدَقْ
فإنَّ الأسماءَ حجابُ بصيرةٍ
ومن عبدَ الأسماءَ ضلَّ وغَرَقْ
وصارَ الفتى مرآةَ صدقٍ صقيلةً
إذا لاحَ نورُ اليقينِ استَبَقْ
فسقطَ القياسُ، واستبانَ المقامُ
ولم يبقَ إلا الثبوتُ إذا صَدَقْ
وصارَ الدورانُ استواءً بعينِهِ
إذا فُهِمَ السرُّ استراحَ القَلَقْ
ومن لم يُطِقْ نورَ الحقيقةِ نكصَ
ومن خافَ ظلَّ السؤالِ انمحَقْ
وأمّا الذي ثبتَ في القلبِ شاهدًا
فلا هوَ في جمعٍ، ولا مُنفَلِقْ
تجاوزَ حدَّ الضدِّ شرقًا وغربًا
فلا أينَ يُدنيهِ، لا ما سَبَقْ
رأى الكلَّ واحدًا بوحدةِ شاهدٍ
فما عادَ شيءٌ عندهُ يُفترقْ
فإن قيلَ: مَن أنتَ؟ قالَ: يقينُهُ
وإن قيلَ: أينَ؟ قالَ: حيثُ الحَقَقْ
هكذا العارفونَ إذا استقرّوا
ثبوتًا، فلا ريحٌ تُميلُ، ولا طَرَقْ



