عربي وعالمي

أمريكا اللاتينية بين دروس كوبا وسيناريو فنزويلا قراءة سياسية وعسكرية فى تصحيح أخطاء الماضى

تقرير/ أيمن بحر

يشهد المشهد فى أمريكا اللاتينية تحولات عميقة تعكس صراعا تاريخيا بين محاولات الاستقلال الوطنى وبين الهيمنة الأمريكية وهو صراع تعود جذوره إلى خمسينات القرن الماضى مع الثورة الكوبية التى غيرت موازين القوة فى الإقليم

عقب قيام الثورة الكوبية حافظ فيديل كاسترو فى بدايات حكمه على وضعية وسطية فى علاقته مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى إلا أن واشنطن لم تقبل بهذا التوازن وقررت إدارة الصراع بأسلوب العمليات السرية فكانت عملية خليج الخنازير التي اعتمدت على تجييش نحو الف وأربعمائة كوبى من المعارضين والمنفيين وتزويدهم بالسلاح والعتاد الأمريكى وإنزالهم بحريا تمهيدا لهجوم يعقبه تمرد شعبى واسع ضد كاسترو

لكن المخطط الأمريكى سقط فشلا ذريعا لعدة أسباب حاسمة فى مقدمتها كشف الاستخبارات السوفيتية للمخطط وتمريره مباشرة إلى القيادة الكوبية إضافة إلى التحرك السريع لقوات كاسترو ومهاجمتها لنقاط التمركز البحرى إلى جانب أخطاء عسكرية جسيمة فى التموضع البرمائى لقوات التمرد فضلا عن امتناع الولايات المتحدة عن توفير غطاء جوى أو تدخل عسكرى مباشر وهو ما حسم المعركة لصالح كوبا

هذا الفشل الاستراتيجى دفع كوبا لاحقا إلى الارتماء الكامل فى أحضان الاتحاد السوفيتى الذى قدم دعما عسكريا واقتصاديا واسعا بلغ ذروته بنصب صواريخ نووية سوفيتية على الأراضى الكوبية مهددة العمق الأمريكى مباشرة وهو ما فجّر واحدة من أخطر أزمات الحرب الباردة وانتهى بتسوية تاريخية تمثلت فى سحب الولايات المتحدة لصواريخها من تركيا وإيطاليا مقابل سحب الصواريخ السوفيتية من كوبا

استمرت كوبا داخل المظلة السوفيتية حتى سقوط الاتحاد السوفيتى مع مرحلة البريسترويكا وصعود يلتسين إلى الحكم لتدخل موسكو مرحلة ضعف وانكفاء انعكس مباشرة على حلفائها وفي مقدمتهم كوبا التي وجدت نفسها معزولة اقتصاديا وسياسيا

فى هذا السياق التاريخى يمكن فهم ما جرى فى فنزويلا باعتباره تصحيحا أمريكيا لأخطاء الماضي حيث اعتمدت واشنطن على استخدام شامل لكل أدوات القوة الصلبة والناعمة بدءا من الاختراق الداخلي والخيانة والمال والإغراء وصولا إلى التفوق العسكري المباشر عبر استخدام مقاتلات الجيل الخامس والحرب الإلكترونية المتقدمة التي شملت التشويش والإعماء الكامل لمنظومات الدفاع الجوي

كما استفادت الولايات المتحدة من ضعف الإمكانيات القتالية للجيش الفنزويلي وغياب أي دعم سوفيتي أو دولي حقيقي لفنزويلا إضافة إلى تآكل البيئة الحاضنة لنظام مادورو بفعل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة رغم امتلاك البلاد لثروات نفطية هائلة

وعملت واشنطن بالتوازي على عزل فنزويلا دوليا وإحكام الالتفاف الداخلي واستخدام ورقة الخيانة والإغراء المالي حيث تشير المعطيات إلى عرض مبلغ خمسين مليون دولار مقابل تسليم القيادة قبل أن يتضاعف المبلغ عدة مرات جرى تقاسمه بين قيادات عسكرية وأطقم الحماية والوحدات الحساسة وهو ما يفسر مقتل عشرات الضباط من حرس مادورو خلال العملية في ظروف ترجح فرضية الطلقات الصديقة من الداخل

الخلاصة أن ما حدث في فنزويلا لا يمكن فصله عن دروس كوبا فالولايات المتحدة هذه المرة تدخلت مباشرة ولم تترك الأمور للصدفة ونجحت في الجمع بين التفوق العسكري والعزل السياسي والتفكيك الداخلي لتفرض واقعا جديدا يؤكد أن أمريكا اللاتينية ما زالت ساحة مفتوحة لصراع النفوذ وأن التاريخ في هذه المنطقة لا يعيد نفسه فقط بل يتم تطويره بأدوات أكثر قسوة واحترافا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock