مقالات وآراء

بين الفطرة والانحدار: متى تاهت الأخلاق في وطنٍ يُفترض أنّه دينٌ وخلق؟

بقلم: أشرف ماهر ضلع

د

في مصر، حيث يُولد الطفلُ على الفطرة، ويُعلّمه جدّه أن “الصدق منجاة” والكذب مرتعٌ للشّر، وحيث تُلقن الأمّ ابنتها أنّ الحياء شعبةٌ من شعب الإيمان، نجد أنفسنا اليوم أمام مفارقةٍ مؤلمة: مجتمعٌ يُفترض أنّه “متديّنٌ بالفطرة” تتهاوى فيه القيم الأخلاقية كأعمدةٍ بُنِيَت على الرّمل.

فما الذي حدث؟ أين اختفى ذلك الخُلق الذي كنّا نفخر به في سوق الجِدّة، في حارة الحسين، على ضفاف النيل؟ هل خانتنا الفطرة، أم أنّنا نحن من خانَتْهَا؟

تَصَدُّع الروح، تحت قناع التدين

ليس كلّ مَن علا صوته بذكر الله، أو تزيّا بلحيةٍ أو خمار، هو حاملٌ لرسالة الأخلاق. فقد تحوّل التدين في كثيرٍ من الأحيان إلى رداءٍ شكليّ، يُرتدى للوجاهة لا للإيمان، للوجاهة لا للتحلّي. فصار المرء “أديباً” في السوشيال ميديا، يُغرّد بالآيات والحكم، بينما سلوكه في السوق، في العمل، في طابور الخبز، لا يعكس سوى أنانيّةٍ مُفرطة، وانفلاتٍ من الواجب.

هنا يكمن الخلل الأوّل: فصل الأخلاق عن الدين. فنحن جعلنا الدين طقوساً وشعائر، لا منهج حياة. صرنا نُقيّم التدين بعدد الصلوات المعلَنة، لا بصدق المعاملة، أو نُنظّر للحجاب كشعارٍ اجتماعي، لا كتجلٍّ للطهارة الباطنة. وعندما ينفصل الدين عن الأخلاق، يصبح التدين مسرحاً، لا رسالة.

الانهيار الاقتصادي: مرآةٌ لانهيار الضمير

لا يمكن تجاهل أنّ التدهور الأخلاقي لم يأتِ من فراغ. ففي ظلّ تضخّمٍ يلتهم مدخرات الأسرة، وفقرٍ يطرق أبوابَ الطبقة الوسطى، وصراعٍ يوميّ على لقمة العيش، يصبح “النجاة” هدفاً يُبرّر كلّ وسيلة. يبيع التاجر سلعةً فاسدةً لأنّه “لا يجد خبزاً لأولاده”، ويغشّ الموظف في عمله لأنه “لا يُكافأ على النزاهة”، بل وقد يكذب المواطن في شهادته لـ”يأخذ حقّه” في دولةٍ تخلّت عن العدالة.

هنا لا نبرّر، بل نفهم. فالانهيار الاقتصادي ينخر في الأخلاق كما ينخر السوس في الخشب. لكنّه لا يبرّر الانحدار الكامل. ففي زمن الفقر نفسه، كان المصريّ يُطعم جاره قبل أن يُطعم ولده. واليوم، صار الجار عدوّاً في سباقٍ على مواردٍ شحيحة.

الثقافة الاستهلاكية: حين يُصبح الإنسان سلعة

بفضل العولمة المتهورة، وغزو وسائل الإعلام التي تروّج لقيم الأنانيّة، والتميّز بالمظهر لا الجوهر، تحوّل الإنسان المصري من “خليفةٍ في الأرض” إلى “مستهلكٍ نَهِم”. أصبحت القيمة تقاس بالسيارة، وبالماركة، وبالـ”ستاتس”، لا بالصدق، ولا بالأمانة، ولا بالإيثار.

ومن أخطر ما أصاب الضمير المصري: استبدال “الحياء” بـ”الرياء”. فلم يعد الخجل من الخطأ موجهاً من الداخل، بل من نظرة الآخر. صرنا نخاف من الفضيحة لا من الذنب، ومن السمعة لا من الضمير. فانهار بذلك السدّ الأخلاقيّ الذي كان يحمينا من الانزلاق.

الأسرة والمدرسة: انهيار المؤسّستين الحارستين

كانت الأسرة هي المصنع الأوّل للأخلاق. لكنّها اليوم، في كثيرٍ من الأحيان، تغيب عنها القدوة. الآباء مشغولون بالسعي على الرزق، والأمّهات بين مطبخٍ وشاشةٍ، والأبناء يتعلّمون الأخلاق من “اليوتيوبرز” لا من جدّاتهم.

والمدرسة، التي كان يُقال عنها “منارة الأخلاق”، صارت تُدرّس الأخلاق كمادةٍ نظريّة، لا كممارسةٍ يوميّة. لا يُعاقب الطالب على الكذب، ولا يُكْرَم على الصدق. فضاع بذلك التوازن التربويّ الذي كان يصنع الإنسان قبل المواطن.

هل من أمل؟

بالطبع. فمصر، رغم كلّ شيء، ما زالت تحتفظ ببقايا من ذلك النور الأخلاقي. في كلّ قريةٍ معلّمٌ يُضحّي براتبه لأجل طلابه، وفي كلّ حيٍّ جارٌ يتفقّد جاره، وفي كلّ بيتٍ أمٌّ تُعلم أولادها أنّ “اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى”.

الحلّ لا يبدأ من القوانين، بل من إعادة ربط الدين بالأخلاق، وبناء اقتصادٍ عادلٍ لا يضطرّ الإنسان للتنازل عن كرامته، وتحديث الثقافة لتُعلي من قيمة “الإنسان” لا “السلعة”. كما أنّه لا بدّ من إحياء القدوة، في البيت، في المدرسة، في الشارع، في الإعلام.

فالفطرة لم تمت، بل نامت. وما على المصريين إلا أن يوقظوها… قبل أن يصبحوا أمةً تُصلّي بلا رحمة، وتصوم بلا عدل، وتزكّي بلا ضمير.

“وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”

هل نعود يوماً لنكون كذلك؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock