المتحف المصري الكبير – ليس مجرد افتتاح، بل إعادة كتابة لتاريخ العرض الحضاري
كتبت/منى منصور السيد

المتحف المصري الكبير.. جسر ذهبي بين الأهرامات وذاكرة العالم شهدت منطقة الأهرامات بالجيزة، في الأول من نوفمبر 2025، لحظة تاريخية فارقة لم تكن مجرد افتتاح لأكبر صرح أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة، بل كانت بمثابة إعادة إحياء لروح مصر العظيمة أمام أعين العالم. بالنظر إلى المشاهد المهيبة التي التقطتها العدسات من الحفل – والتي امتزجت فيها الموسيقى الكلاسيكية بعروض الأوبرا، وتجسيد الملوك والملكات القدماء، وتكريم رموز مصر الحديثة – يمكننا القول إن هذا الحدث تجاوز كونه احتفالاً ليتحول إلى بيان حضاري متعدد الأوجه.
إن أبرز ما يميز حفل الافتتاح من وجهة نظر تاريخية هو الاستخدام المتقن والمباشر للهوية الفرعونية في العروض الفنية. الصور التي تضمنت فنانين شباباً يرتدون أزياء الملوك والملكات المصريين القدماء (مثل الملكات المتوجات بحلية الكوبرا ورؤوس الصقور) لم تكن مجرد استعراض جمالي، بل كانت تأكيداً عميقاً على أن مصر المعاصرة هي امتداد حي لحضارتها القديمة. كما أن اختيار موقع المتحف – بالقرب من الأهرامات مباشرة – هو بحد ذاته رمز تاريخي لا يقبل الجدل. هذا الموقع الجغرافي يربط بين أعرق آثار العالم وبين صرحه الثقافي الأضخم. المتحف هنا ليس مجرد مخزن للآثار، بل هو بوابة زمنية تضع الزائر في سياق تاريخي مباشر.
كما تكشف بعض اللقطات عن مشهد ضوئي ساحر يضيء مسلات مصرية في عواصم عالمية مثل لندن وروما. هذه اللقطة تحمل رسالة تاريخية شديدة الأهمية: فهي تذكير بالانتشار الحضاري لمصر وتأثيرها الممتد عبر العصور، حتى على الإمبراطوريات التي حكمت العالم. ومن جهة أخرى، هي اعتراف ضمني بالجهود التي بُذلت على مدار عقود للمحافظة على هذا التراث ونقله، حيث أن تكريم قامات وطنية وعلمية مثل البروفيسور مجدي يعقوب والدكتور خالد العناني وغيرهم، يدمج قامات العصر الحديث التي أثرت في مجالات القلب والثقافة والآثار، ضمن سردية مصر الحضارية المتصلة.
أخيراً، فإن المقاطع التي أظهرت موسيقيين يمثلون مدناً عالمية (طوكيو، باريس، نيويورك، ريو دي جانيرو) يختتمون عرضهم عند أهرامات الجيزة، تمثل بياناً عالمياً يُترجم إلى المركزية الحضارية: إعادة تأكيد مكانة مصر كـ “منارة” تلتقي عندها الفنون والثقافات من كل أنحاء العالم. المتحف ليس مخصصاً للمصريين فقط، بل هو “هدية مصر للعالم”، ومركز لجذب الثقافة العالمية، مما يفتح فصلاً جديداً في تاريخ السياحة الثقافية المعاصرة.
افتتاح المتحف المصري الكبير، والمتمثل في المشاهد التي قدمتها لنا، هو حدث متكامل الأركان. لم يكن مجرد عرض فني، بل كان درساً في التوثيق التاريخي، وإعلاناً عن الهوية الوطنية، وتأكيداً للمكانة العالمية. المتحف يقف شامخاً، ليس فقط كأكبر متحف أثري، بل كخاتمة لجهد تاريخي استمر لعقود، وبداية لعصر جديد تُقدم فيه مصر حضارتها العريقة إلى العالم بـ أكثر الطرق حداثة وإبهاراً.



