صحف وتقارير

قمة ألاسكا.. بين مصافحة الشطرنج ومعادلات الحرب

جريدة الصوت

 

بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار

 

لم يكن لقاء ألاسكا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجرد اجتماع سياسي عابر،

بل بدا كأنه مشهد مسرحي بُني بعناية، حيث تداخلت لغة الجسد مع التصريحات الدبلوماسية،

 

وحلّت الإشارات غير المباشرة محل الاتفاقات الموقعة. قمة وصفها البعض بأنها رمزية أكثر من كونها استراتيجية،

لكنها تركت وراءها جدلاً واسعًا وقراءات متباينة في واشنطن، موسكو، وكييف.

 

معادلة بوتين.. أرض مقابل أرض

 

في أجواء متوترة ما زالت فيها الحرب الأوكرانية مشتعلة،

طرح بوتين ما سمّاه المراقبون “المعادلة الروسية” لتسوية الصراع:

تثبيت خط المواجهة في خيرسون وزابوريجيا مقابل انسحاب أوكرانيا من أراضٍ أخرى.

ورغم أن الفكرة لم تُترجم إلى اتفاق مكتوب أو وقف لإطلاق النار،

فإنها مثّلت تحولاً مهماً في لغة الخطاب،

إذ بدا أن موسكو تسعى إلى تكريس واقع ميداني جديد على الأرض،

مدفوعة بظهورها القوي على الساحة الدولية بعد عزلة طويلة.

 

ترامب.. بين الاستعراض والبراغماتية

 

ترامب من جهته خرج من القمة بتصريحات مقتضبة، وصف اللقاء بـ”الجيد والبنّاء”، لكنه لم يعلن عن أي اختراق حقيقي. بدا كعادته متفائلاً في العلن، إلا أن غياب التفاصيل الملموسة جعل حديثه أقرب إلى استعراض سياسي منه إلى خطة سلام واضحة.

ومع ذلك، يرى محللون أن مجرد جلوس ترامب مع بوتين تحت الأضواء الأمريكية هو رسالة بحد ذاته، تحمل بعدًا داخليًا انتخابيًا وبُعدًا خارجيًا يؤكد عودة واشنطن إلى سياسة الصفقات الكبرى.

 

لغة الجسد.. لعبة شطرنج المصافحة

 

لم تكن المصافحة بين الزعيمين مجرد بروتوكول، بل تحولت إلى ما سمّاه خبراء لغة الجسد بـ “شطرنج المصافحة”.

 

ترامب مد يده بكف مفتوح للأعلى في دلالة على الاحترام وربما الخضوع المؤقت، لكنه سرعان ما شدّ اليد إلى جسده في إشارة للسيطرة.

 

بوتين ردّ بابتسامة وهدوء، مستخدمًا ضغطًا محسوبًا أوحى بأنه اللاعب الأكثر ثقة، كمن ينتظر خطأ خصمه على رقعة الشطرنج.

 

اللحظة الأبرز كانت حين وضع ترامب يده الأخرى على ذراع بوتين، في ما يشبه رسالة مبطنة تقول: “أستطيع ضربك لو أردت”. لكن بوتين لم يتردد في الرد، ليُبقي التوازن قائمًا بين الهيمنة والتحدي.

 

الكواليس والرمزية

 

ما بين جلسات التصوير والابتسامات المتبادلة، التقطت الكاميرات لقطات عميقة الدلالة:

 

ترامب يميل للهمس في أذن بوتين أثناء الإمساك بمرفقه، مشهد فُسِّر على أنه مزيج من السيطرة والحميمية.

 

بوتين جمع قبضتيه للحظة ثم أرخاهما، في إيماءة أثارت التساؤلات: هل هي إشارة قوة؟ أم انعكاس لحالة صحية؟

 

في الختام، بدت مصافحة الوداع أقصر وأقل دفئًا، إذ ظهر ترامب منهكًا بينما غادر بوتين بابتسامة واثقة، وكأنه يقول: “لقد ربحت الجولة الأولى”.

 

ردود فعل أوكرانيا والغرب

 

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لم يُخفِ امتعاضه، معتبرًا أن أي حديث عن تسوية من دون كييف هو تنازل عن السيادة الأوكرانية.

أما في العواصم الأوروبية، فقد تباينت المواقف بين الحذر من أي “صفقة على حساب أوكرانيا”، وبين من رأى في القمة بوادر تحوّل أمريكي من المبدأ الشهير “لا شيء عن أوكرانيا بدون أوكرانيا” إلى نهج أكثر براغماتية.

 

الخلاصة.. بداية مسلسل المفاوضات

 

قمة ألاسكا لم تُسفر عن اتفاق، لكنها دشّنت مرحلة جديدة من التفاوض بالرموز والرسائل أكثر من النصوص.

 

بوتين خرج بصورة “الرجل العائد إلى المسرح الأمريكي” بعد عزلة طويلة.

 

ترامب حصد صورًا تلمّع حضوره وتعيده كلاعب دولي، حتى من دون إنجاز ملموس.

 

أوكرانيا بقيت على الهامش، تخشى أن تتحول قضيتها إلى ورقة تفاوضية بين القوى العظمى.

 

وبينما يترقب العالم الجولة القادمة، يبدو أن المصافحة في ألاسكا كانت أشبه بتحريك أولى القطع على رقعة شطرنج دولية، قد تستمر جولاتها لسنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock