عربي وعالمي

من الرقائق إلى الصواريخ: كيف أشعل الاستحواذ الهولندي على شركة صينية حرب التكنولوجيا الكبرى

بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار

في خطوةٍ وُصفت بأنها «زلزال في عالم التكنولوجيا»، أعلنت الحكومة الهولندية استحواذها على شركة Nexperia، وهي شركة لصناعة الشرائح الإلكترونية مملوكة بالكامل لمجموعة صينية.

القرار جاء تحت شعار “حماية الأمن القومي”، لكنه في الواقع كشف النقاب عن معركة أعمق بكثير — معركةٍ تدور رحاها حول السيطرة على العصب التكنولوجي للاقتصاد العالمي.

Nexperia، التي تُعد من أهم شركات تصنيع الرقائق الدقيقة المستخدمة في السيارات والأجهزة الذكية، كانت تمثل رأس جسرٍ صيني داخل أوروبا الصناعية.

استحواذ هولندا عليها لم يكن مجرد صفقة مالية، بل إعلانًا صريحًا بأن عصر الاندماج الاقتصادي المفتوح بين الغرب والصين قد انتهى، وأن زمن «حروب الرقائق» قد بدأ بالفعل.

أبعاد القرار… ما بين الأمن القومي والسيادة التقنية

الاستحواذ الهولندي لا يمكن فصله عن تحركات الولايات المتحدة التي سبقت القرار بسنوات، بدءًا من منع تصدير آلات الطباعة الضوئية المتقدمة (EUV Lithography) من شركة ASML إلى الصين، وصولًا إلى حظر البرمجيات الصناعية ذات الاستخدام المزدوج.

أوروبا، وتحديدًا هولندا، أدركت أن السماح للصين بالسيطرة على الشركات الحساسة في مجال الإلكترونيات الدقيقة يعني تسليم مفاتيح المستقبل الصناعي لخصمٍ استراتيجي، لا لمجرد شريك تجاري.

هذا القرار يُعيد رسم العلاقات بين بكين وبروكسل. فبينما تُبرر هولندا الخطوة بدوافع “الأمن التكنولوجي”، تعتبرها الصين “تمييزًا اقتصاديًا مسيّسًا”، في إشارة إلى أن الحرب القادمة لن تكون تجارية فحسب، بل صراع وجودي على السيادة التقنية.

البرمجيات الغربية… السلاح الخفي في معركة الصناعة

في خلفية هذا المشهد، تدور معركة لا تقل ضراوة: السيطرة على برامج التصميم الصناعي والهندسي التي تُعد الأساس في تطوير أي تكنولوجيا حديثة.

برامج مثل:

CATIA من شركة Dassault Systèmes الفرنسية

NX Siemens وSolid Edge الألمانيتان

Synopsys الأمريكية المتخصصة في تصميم الدوائر المتكاملة

كلها تُعتبر عصب الصناعات المدنية والعسكرية على حد سواء. هذه البرمجيات تُستخدم في تصميم الطائرات والمفاعلات والسفن الحربية والصواريخ، ولهذا تحوّل تصديرها إلى ملفٍ أمني حساس.

الغرب اليوم لم يعد يفصل بين الابتكار التقني والهيمنة الاستراتيجية. البرمجيات الصناعية أصبحت سلاحًا صامتًا يوازي في تأثيره القنابل الذرية في القرن الماضي.

الصين، التي اعتمدت لعقود على البرمجيات الغربية في تصنيعها، وجدت نفسها في مواجهة حظرٍ رقمي خانق، ما أجبرها على إطلاق برامج بديلة محلية مثل CAXA وZWCAD في محاولةٍ لبناء استقلال تقني، ولو جزئيًا.

من الحرب التكنولوجية إلى عسكرة المحيط الهادئ

لكن الصراع لم يبقَ داخل المختبرات أو المصانع.

ففي الوقت الذي تُقيد فيه أوروبا وأمريكا الشركات الصينية، يتحرك البنتاغون عسكريًا في الجهة المقابلة من الخريطة — في المحيط الهادئ، حيث تُعيد واشنطن تموضعها في جزيرة غوام لتكون رأس الحربة في أي مواجهة محتملة مع الصين.

الخريطة التي ظهرت مؤخرًا في تقارير Wall Street Journal تُظهر موقع غوام المركزي بالنسبة للعواصم الآسيوية الكبرى:

1500 ميل من مانيلا،

1700 من تايبيه،

2100 من بكين،

و3800 من هونولولو.

أي أنها في مدى كل صاروخ، وفي الوقت ذاته في قلب كل خطة عسكرية.

الولايات المتحدة تبني هناك قاعدة Camp Blaz، المجهزة لتخزين صواريخ باليستية ودفاعات جوية متقدمة، استعدادًا لسيناريوهات تشمل الدفاع عن تايوان أو الرد على أي هجوم صيني محتمل.

وهكذا، أصبح التحصين العسكري الأميركي في غوام امتدادًا طبيعيًا لحرب التكنولوجيا نفسها، إذ تدرك واشنطن أن التفوق في الرقائق يعني التفوق في الصواريخ.

بين تايوان وغوام… خيط الصراع الممتد

تايوان بدورها هي القلب النابض لصناعة أشباه الموصلات في العالم، من خلال شركة TSMC العملاقة، التي تُزوّد كلًّا من أمريكا وأوروبا بأكثر الشرائح تعقيدًا.

أي صدام في تايوان يعني شللًا في الاقتصاد العالمي بأسره، ولذلك تحوّلت غوام إلى قاعدة متقدمة للدفاع عن الجزيرة وعن النظام الصناعي الغربي بأكمله.

الصين من جانبها لم تقف مكتوفة الأيدي، فقد طورت صواريخها الباليستية متوسطة المدى DF-26 التي أطلق عليها الغرب لقب “قاتلة غوام”، في إشارة إلى قدرتها على ضرب الجزيرة بدقة عالية في حال اندلاع أي نزاع.

حرب باردة جديدة… ولكنها أكثر ذكاءً وخطورة

الحرب الباردة في نسختها الجديدة لا تُقاس بعدد الدبابات أو حاملات الطائرات، بل بعدد البتّات الإلكترونية في كل رقاقة، وبكمية الذكاء الاصطناعي المدمج في كل منظومة.

فالغرب يرى أن السيطرة على التكنولوجيا هي الضمان الوحيد لاستمرار النفوذ السياسي، فيما تعتبر الصين أن كسر هذا الاحتكار الغربي واجبًا قوميًا لا يقل عن حماية حدودها البرية.

التدفقات الاستثمارية، وتأميم الشركات، ومنع تراخيص البرمجيات، ونشر القواعد العسكرية — كلها حلقات في سلسلة واحدة من حرب شاملة متعددة الأبعاد:

اقتصادية: من خلال العقوبات والقيود التجارية.

تكنولوجية: عبر احتكار أدوات التصميم والإنتاج.

عسكرية: بتحصين القواعد الأمامية وموازين الردع.

خاتمة: نحو عصر ما بعد العولمة

الاستحواذ الهولندي على Nexperia لم يكن مجرد خبرٍ اقتصادي عابر، بل لحظة فاصلة في مسار العولمة.

لقد دق ناقوس انتقال العالم من منطق “سوق مفتوحة” إلى منطق “كتل مغلقة” تحمي أسرارها التكنولوجية بأسوارٍ من الحديد والسيليكون.

ومع تصاعد التوتر في المحيط الهادئ، وتزايد النزعات الحمائية في أوروبا وأمريكا، يبدو أننا ندخل حقبة جديدة يمكن تسميتها بـعصر السيادة التقنية، حيث تتقاطع الرقائق بالصواريخ، والمصانع بالملاجئ، والابتكار بالهيمنة.

فمن يمتلك الرقاقة… يمتلك القرار.

ومن يصنع البرمجية… يصوغ التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock